مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
مهدي عاكف يكتب `أيها الإخوان : الأعمال الكبيرة لا تتم إلا بجهود متضافرة
02-01-2016 10:19


المؤثر في حركة التاريخ أو في نمو الحضارة وازدهارها ليس وجود الأفراد المخلصين الذين يتصفون بالأخلاق الحميدة مهما بلغ صلاحهم وتقواهم وإدراكهم لحقائق الأمور والواقع المرئي يؤكد ذلك، وإنما المؤثر الأهم أن تكون هناك حركة جماعية، وتيار قوي يُؤثِّر في غيره بالتعريف والمجاهدة ومخالطة الناس والصبر على أذاهم، لا يتأثرون بغيرهم، يقولون الحق بعزة المؤمن الذي يستمد قوته من الله الكافي عبده.
وليس هذا تقليلاً من عمل الفرد ولا ما يتحلى به من صفات كريمة سواء من أفراد وعلماء مخلصين يلتزمون في خاصة أنفسهم ويدعون غيرهم إلى الالتزام ثم لا يهتمون بالتكوين والتنفيذ، وهي المرحلة الأهم؛ لأنها هي التي تُنزِّل ما تبيَّن لهم على أرض الواقع.
إن الواقع يشهد أن العمل الجماعي هو المثمر، فاليد الواحدة لا تُصفِّق، والمرء قليلٌ بنفسه كثيرٌ بإخوانه، ضعيفٌ بمفرده، قويٌّ بجماعته، والأعمال الكبيرة لا تتم إلا بجهودٍ متضافرة، والمعارك الحاسمة لا يتحقق النصر فيها إلا بتضام الأيدي وتعاضد القوى، كما قال القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (4)﴾ (الصف).
أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون
إن القوى المعادية لرسالة الإسلام وأمته، لا تعمل بطريقةٍ فردية، ولا في صورة فئات مبعثرة، بل تعمل في صورة تكتلات وتجمعات منظمة غاية في التنظيم، لها هياكلها ولها أنظمتها، ولها قيادتها المحلية والإقليمية والعالمية، ومن الواجب علينا أن نحارب أعداءنا بمثل ما يحاربوننا به، ولذلك كانت الجماعة فريضة شرعية، فالباطل المنظم لا يغلبه إلا حق منظم.
والقرآن الكريم يحذرنا من ذلك حين يقول : ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (73)﴾ (الأنفال).


وأي فتنةٍ وأي فسادٍ أكبر من أن تتجمع قوى الكفر وتتفرق قوى الإسلام، وأن يتلاحم أهل الباطل، ويتمزق أهل الحق، فهذا هو الخطر الكبير والشر المستطير.
ولذا فإن الإخوان يدرءون الفتنة بصفٍّ واعٍ متراصٍ متحابٍّ يتميز بتعاونه مع كل الأفراد والهيئات العاملة للإسلام على الساحة العالمية.
أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون
لا يتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بالجماعة التي تمتثل أمر الله ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (104)﴾ (آل عمران).
إن الفرد الصالح- في فهمنا للإسلام- يعتبر شريكًا بسكوته على المنكر، فما الذي يستفيد منه المجتمع بصلاحه الذي يتحلى به، وهو لا يتعاون مع إخوانه ليحققوا مجتمع الفضيلة، إن الساكت على الحق شيطانٌ أخرس ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)﴾ (الأنفال)
ولذلك تسأل السيدة عائشة- رضي الله عنها- رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: “نعم؛ إذا كَثُر الخبث”.. تأمل سؤالها فلم تقل (وفينا المصلحون) لأن المصلحين هم الذين يعملون على إزالة الخبث.
وفي الحديث أيضًا: “إذا أُخفيت الخطيئة لا تضرُّ إلا صاحبها، وإذا ظهرت فلم تُغيَّر ضرَّت العامة”، وهي لا تُغيَّر إلا بالذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
أيها الإخوان المسلمون.. أيها الناس أجمعون
الجماعة من ثوابت الإسلام
لذلك كانت الجماعة من ثوابت الإسلام نفسه الذي يدعو إلى تحقيق النظام في أقل عددٍ يتصوره المسلم حتى ولو كان مسافرًا، فإن كان بمفرده في سفره فالشيطان معه، وإن كانوا أكثر من ذلك ولو ثلاثة كان لا بد من أن يُؤمَّر عليهم أمير.. “إن كنتم ثلاثة فأمروا أحدكم”، فما بالك بمَن يريد أن يُحيي أمةً ويُقيم دولةً ويصنع حضارةً، ألا يحتاج هذا إلى تنظيمٍ دقيقٍ وأمير لجماعة مطاع يشعر كل فردٍ فيها أنه في كيانٍ مطالب أن يُقيم دين الله على الأرض.


وإذا كانت إقامة الإسلام واجب المسلمين جميعًا، فإن الوسيلةَ إليه وهي الجماعة من الواجب أيضًا، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، خصوصًا ونحن في زمانٍ لا يعرف إلا التكتلات والتجمعات لتحقيق المصالح، فما بالك بالإسلام الذي يعتبر الجماعة إيمانًا والتفرق كفرًا.
وإنَّ معنى الجماعة في نفس الفرد لا يكتمل إلا إذا شعر:
أولاً : بالاعتزاز بانتمائه إليها.
ثانيًا : الطمأنينة في وجوده فيها.
ثالثًا : أنها حققت أو تحقق أمانيه.
رابعًا : أنه عضوٌ فيها ولبنةٌ من لبناتها يمدها وتمده ويشدها وتشده.
خامسًا : أنه بها وليس بغيرها، وهي إن لم تكن به فبغيره ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38).
وهذا هو الفرق بين التجمع الذي لا رابطَ له ولا رأس ولا منهج، وبين الجماعة التي هي وجدان ووشائج ومشاعر، وترابط وحب، ونظام وأهداف ووسائل، وجند وقيادة غايتها الله؛ ولذلك كان من مهامها إصلاح النفس لتكون تقيةً، وتكوين الأسرة لتكون مسلمةً، وإرشاد المجتمع لتسود القيم والمبادئ والأخلاق وشعائر الإسلام ومظاهره في كل أرجائه، والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة لتطبيق شرع الله، بالوسائل السلمية والشرعية عن طريقها بعد أن تحقق قوة الحب وقوة الإيمان فهما السبيل لإقامة شرع الله، وهذا هو فهمنا الذي ندين به.. في هذه الجماعة المباركة التي هي جماعة مسلمة وليست الجماعة المسلمة الوحيدة كما يتقول علينا البعض بما لم نقل، فنحن نمد أيدينا إلى كل مَن يريد أن يُعيد لهذا الدين سلطانه ولهذه الأمة والدولة ومكانتها.
﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ (يوسف: من الآية 108)، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: “نضَّر الله وجَّه امرءٍ سمع مقالتي فوعاها، ثم أدَّاها إلى مَن لم يسمعها فربَّ حامل فقه ليس بفقيه، ورب حامل فقهٍ إلى مَن هو أفقه منه”.
والحمد لله رب العالمين