مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
حمدي محمود يكتب:أصولُ البَنَّا وأصولُ الشافعيّ…
10-02-2016 16:39


ما يزالُ سلوكُ الناسِ في أمرٍ مُعَيَّنٍ يختلف باختلاف فَهْمِهِمْ ونَظرتِهم لِذلك الأمر؛ ومن أبرزِ مظاهر الاختلاف اختلافُ الناس في سلوكهم الديني فمنهم مَنْ يتشدد ومنهم مَن يتساهل ومنهم مَن يتوَسَّط، فَلِكُلِّ واحدٍ منهم سلوكٌ مختلفٌ حَدَّدهُ فَهْمُه للدين.

فقضيةُ الفَهمِ إذنْ قضيةٌ خطيرة لأنها هي التي تُشَكِّلُ سلوكَ الإنسان ويزدادُ خَطَرُها حين يتعلق الأمرُ بالدين ونَخُصُّ هنا الإسلامَ.

مِنْ أجل ذلك وَضَعَ الإمامُ حسن البنَّا أصولًا عشرين سَمَّاها أصولَ فَهمِ الإسلام؛ وذلك لِمَنْ أراد أنْ يَفْهَمَ الإسلامَ وَفْقَ ما بينهُ الله تعالى لا وَفْقَ هَوًى ولا شيخٍ ولا سُلطان.

لكنَّ أُناسًا سارعوا إلى اتهام البَنَّا والإخوانَ المُسلمينَ بالابتداعِ في الدين وقالوا:

أصولُ الدين معروفةٌ، فما لَنا بأصول البَنّا؟

لذلك ولخطورةِ أمرِ الفَهم ولأننا على بُعدِ أيامٍ مِن ذكرى وفاة الإمام البنَّا- رحمه الله- وَجَبَ البيان وذلك بعقد تلك المقارَنة السريعة بين:

أصولِ البَنَّا وأصولِ الشافعيّ:

أمَّا أصولُ البنَّا فهي أصولُ فهمِ الإسلام العِشرون التي وضعها الإمامُ حسنُ البَنَّا –رَحِمَهُ الله- مؤسِّسُ جماعةِ الإخوان المسلمين.

وأمَّا أُصولُ الشافعي فهي أصولُ الفِقه التي كان أولَّ مَنْ لَفَتَ الأنظارَ إليها ودوَّنَ فيها كتابَه (الرِّسالة) بحرُ العِلْمِ وصاحبُ المذهب الإمامُ الشافعيُّ -رحمه الله تعالى –

ودعونا نبدأ بالحديث عن أصول الشافعي ثم نَدْلِفُ منها إلى أصول البَنَّا.

فالأحكامُ الشرعية التي تقول: هذا حرام وهذا حلال وهذا مكروه….إلخ،

يُسميها العلماءُ (الفِقه)

لكنَّ هذه الأحكامَ مُستفادةٌ بطريقةٍ أو بأخرى من نصوص القُرآنِ الكريم والسُّنَّة النبوية المُشَرَّفَة، واستنباطُ هذه الأحكام لا يُحْسِنُهُ أَيُّ أَحَد؛ فليس كُلُّ الناسِ قادِرينَ على النظر في هذه النصوص ليستنبطُوا منها الأحكام، إنما لا بد أن يكون عالِمًا بالقواعد والأصول، مَنْ يريدُ أنْ يستخرجَ هذه الأحكام مِنْ مصادرها، لأننا لو افترضنا أنَّ هذه الأحكام هي بمثابة (الماء) فإنَّ القواعدَ وأصولَ الفقه هي (الدِّلاء) الذي به نُخْرِجُ هذا الماء.

هذه الأصولُ لم تَكُنْ مُتاحةً ومُدَوَّنَةً للناس قبل الإمام الشافعي؛ ومع تباعُد الزمَن وخَوفـًا مِنْ أن يتجرَّأَ الجُهَّال ومُدَّعو العلم على النصوص فَيُحَمِّلوها ما لا تَحْتَمِل قامَ الإمامُ الشافعيُّ بِوَضعِ قواعِدَ وأُصولٍ لاستنباط الأحكام مِنْ أدلتها التفصيلية، تلك الأحكام المُسماة بالفقه؛ ولذلك سُمِّيَتْ أصولُ الشافعيّ بأصول الفقه؛ فأصولُ الفِقه هي القواعدُ التي تُعينُ العالِمَ على استنباط الفِقه الذي هو الأحكام الشرعية العملية المستنبطة مِنْ أدلتها التفصيلية.

حين وضع الإمامُ الشافعيُّ هذه الأصول التي لم تكن معروفةً قبل ذلك كعِلمٍ مُدَوَّن لم يقلْ أحدٌ:
إنَّ الشافعيَّ يَبْتدِعُ في الدين!!


مع أنه أتى بجديدٍ لم يُعْرَفْ بهذا الشكل مِنْ قبل وهو شيءٌ خطيرٌ؛ لأنه يَمَسُّ أحكامَ الدين، بل يقول للناس: هذا حلالٌ وهذا حرام!

أتدرون لماذا لم يعترضْ عليه أحدٌ؟

لأنَّ أهلَ هذا الزمان كانوا على قَدْرٍ كبيرٍ مِنَ العِلم والفِقه والمعرفة، ولذلك لم يعترضوا؛ لأنهم علموا بما أوتوا مِنْ عِلم وفقه أنَّ الشافعيَّ لم يخترعْ أصولَه اختراعًا ولم يوجِدْها مِنْ عِند نفسِه، غايةُ الأمرِ أنه أزال تُرابًا كان عالِقًا بها.

والسؤال الآن:

إذا كان الأمرُ كذلك فكيف كان الفقهاءُ قبل الشافعي يستخرجون الأحكام ويستنبطونها؟!
وإجابةُ هذا السؤال هي دُرَّةُ تاجِ هذا المقال.


قبل الإمام الشافعي كان العُلماءُ والفقهاءُ مِنْ صحابةِ النبي-صلى الله عليه وسلم- والتابعين لهم بإحسان في غير حاجةٍ إلى تَعَلُّمِ هذه الأصول لسبب بسيط:

ذلك أنهم بما أوتوا مِن عِلمٍ وصُحبةٍ للنبيّ – صلى اللهُ عليه وسلم -كانوا يعلمون هذه الأصول ويعملون وَفْقَ مُقتضاها.

كالعربي تمامًا في صدر الإسلام لم يكُنْ في حاجة إلى تعلُّم قواعد النحو؛ لأنه بالفطرة كان يُدرِكُ أنَّ الذي يقوم بالفعل لا بد أن يكون مرفوعًا، وأنَّ مَنْ وقع عليه الفعلُ لا بد أن يكون منصوبًا وأنَّ ما سبقته مِنْ وأخواتُها يجب أن يكون مجرورًا، وإنْ لم يعلم بما نتعلمه نحن الآن:

الفاعل مرفوع، والمفعول منصوب، والمسبوق بحروف الجر مجرور وغير ذلك من قواعد اللغة التي لم تكنْ في ذهن العربي؛ لأنه لم يكنْ بحاجةٍ إليها.

وما دُوِّنَ النحوُ كعِلمٍ إلا بعد أنْ دخل في الإسلام الأعاجمُ الذين بدأوا اللحنَ والخطأَ في القرآن فكان لا بد مِنْ قواعد لُغَوية تعصمهم من الخطأ وتحفظُ القرآنَ من التحريف، فكان عِلمُ النحو.

إذن كان الناس في زمن النبيّ صلى اللهُ عليه وسلم وقَبلَ أنْ يَنتَشِرَ الإسلام يَعلمونَ بالفِطرة أنَّ الأمرَ يُفيدُ الوجوب ما لم تقترن به قرينةٌ تصرفه عن الوجوب إلى غيره، وهذه قاعدةٌ من قواعد أصول الفقه التي دَوَّنَها الشافعيّ، وكانوا يعلمون بالفطرة كذلك أنَّ النهيَ يُفيد التحريم، إلى آخر ذلك مما دُوِّنَ مِنْ أصول الفقه.

لكنْ حين تباعد الزمان بعد موت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ودخل في الإسلام كثيرون مِنْ غير العرب وفقد الناسُ الفطرةَ والفصاحةَ العربية كان لا بد مِنْ تدوين ما يستقيم به استنباطُ الأحكام.
وجاء حسنُ البنَّا.


وبمنطقِ نفسه الشافعيِّ في وضعِ أصولِ الفِقه وضعَ هو ودَوَّنَ أصولَ فهم الإسلام.

فالبَنَّا لم يأتِ بجديد فالناسُ؛ في صدر الإسلام الأول كانوا يُدرِكون بفطرتهم وقُربهم من عهد النبوة أنَّ الإسلامَ دينٌ شامل يتناولُ مظاهرَ الحياةِ جميعًا، وهذا هو الأصل الأول الذي وضعه ودَوَّنَهُ الإمامُ البنا.

وكانوا يُدرِكون كذلك أنَّ المرجعيةَ العليا للمسلم هي الكتابُ والسُّنَّة، وهو الأصل الثاني الذي دَوَّنَه الإمامُ البنا…. وهكذا بقية الأصول العشرين التي وضعها رحمه الله لفهم الإسلام.
دوَّنها البنَّا حين نسيها الناسُ وغابت عن مداركهم؛ حتى يفهموا دينَهم كما فهمه السلفُ الصالحُ-رضوانُ الله عليهم – بعد أن صار الإسلام محبوسًا بين جدران المسجد، وبعد أنْ تعصبَ الناسُ لشيوخهم واتخذوهم مُشَرِّعين مِن دون الكتاب والسنة .وبعد أن صارت الأوهامُ هاجسَهم الأكبر وكَثُرَ الدَّجَّالون.


ومِنْ ثَمَّ فإنَّ عملَ الإمام البنَّا فيما يخصُ أصولَ فهمِ الإسلام هو كعمل الإمام الشافعي فيما يخُصُّ أصولَ الفقه، وكما أنَّ العلماء بعد الشافعي زادوا في أصول الفقه أكثرَ بكثيرٍ مما وضعه الشافعيُّ وتطورَ هذا العلمُ تطورًا عظيمًا حتى وصلَ إلى ما وصلَ إليه الآن؛ فكذلك المُجتهدون يستطيعون أن يُضيفوا إلى أصول فهم الإسلام التي وضعها الإمامُ البنَّا أصولًا جديدةً تعصمُ الناسَ من الخطأ وسوء الفهم عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- فإنَّ “سوءَ الفهمِ عن اللهِ ورسولِهِ أصلُ كلِّ بدعةٍ وضلالةٍ نشأتْ في الإسلام بل هو أصلُ كلِّ خطأٍ في الأصول والفروع، ولا سيما إنْ أُضيفَ إليه سوءُ القصد” كما قال الإمامُ ابنُ القيم رحمه الله.

والله -تعالى- أعلى وأعلم