مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
هذا بيان للناس
02-05-2016 17:55


بقلم القاضي الشهيد : عبد القادر عودة – رحمه الله
( 1324 _ 1374هـ = 1906 _ 1954م )
بسم الله الرحمن الرحيم
الله أكبر ولله الحمد
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن نهج نهجهم القويم إلى يوم الدين.
أحييكم أطيب تحية – تحية السلام التي جاء بها الإسلام، فالسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد –
فإن الدعوة تمر اليوم بأحداث جسام لها أثرها في مستقبل الدعوة، وفي مستقبل الأجيال القادمة، ومن حقكم أن تبصروا بكل ما يواجه الدعوة من أحداث، وما يحيط بكم وبالدعوة من ظروف لتكونوا على بينة من أمركم ولتكون تصرفاتنا جميعاً على هدى الحق والواقع .
وإذا كان من حقكم على قيادتكم أن تبصركم وتوجهكم، فإن من حق الدعوة عليكم أن تأخذوا أنفسكم بآدابها، وأن تقيدوا أنفسكم بحدودها وأن تخضعوا تفكيركم لسلطانها، فلا تفكروا إلا من خلال الإسلام، ولا تقولوا إلا ما يحبه لكم الإسلام ولا تعملوا إلا في حدود الإسلام، فإن فعلتم ذلك، ربطتم أنفسكم بكتاب ربكم، وسنة نبيكم، واستكملتم إيمانكم، وما يستكمل المؤمن إيمانه، حتى يقول لله ويعمل لله، في رضاه وغضبه، وحبه وبغضه وفي جميع حالاته ( من أحب لله وأبغض لله وأعطى لله ومنع لله فقد استكمل الإيمان ) .
أيها الإخوان الكرام :
لسنا بغاة : فإن الإسلام يحرم علينا البغي، ولسنا دعاة فتنة، فإنها أشد من القتل، وما ينبغي للمؤمن أن يكون فتاناً ولا لعاناً، ولكنا نسير على آثار محمد عليه الصلاة والسلام، ندعو إلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، وندرأ بالحسنة السيئة، وندفع بالتي هي أحسن، في أدب المؤمن وصبره، ويقينه بنصر ربه،
لقد حلت جماعة الإخوان المسلمين مرة ثانية، واعتقل الكثيرون من أعضائها، ونسبت إليهم التهم، وخاضت فيهم الصحف، وإنه لابتلاء جديد، وامتحان يبشر برضاء الله عن هذه الجماعة، فإن سنة الله في الجماعات، أن يمحصها، وأن يميز خبيثها من طيبها : (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) ( آل عمران : 179 ) .
وغداً تخرج الجماعة على الناس وهي أشد مضاء، وأقوى قوة، وأصلب عوداً، وأمكر مكراً، لأن هذا الابتلاء المتكرر دليل على قوة إيمان الجماعة وقربها من الله وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله : « أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الأمر على قدر دينه، فإن كان في دينه صلاة زيد له في البلاء ».
الصبر على البلاء :
فعلى الإخوان أن يقابلوا البلاء بالصبر، فإن الصبر كما يقول الرسول صلى الله عليه وسلم نصف الإيمان وليتأسوا بمن قبلهم، مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى إذا استيأسوا، جاءهم نصر الله، ولقد شكا بعض أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم إليه، فقالوا: يا رسول الله ألا تستنصر لنا ؟ ألا تدعو لنا ؟ ... فقال : (إن من كان قبلكم، كان أحدهم يوضع المنشار على مفرقه فيخلص إلى قدميه، لا يصرفه ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد، ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم قوم تستعجلون) .
ولا تقنطوا أيها الإخوة من رحمة ربكم، وأحسنوا الظن بالله، فإن رحمته أقرب مما تظنون، وأسرع مما تنتظرون، واذكروا ما روي عن محمد صلى الله عليه وسلم: (عجب ربك من قنوط عباده وقرب غيثه فينظر إليهم قنطين (يائسين ) فيظل يضحك يعلم أن فرجهم قريب).
أيها الأخوة : إن واجبنا الأول في هذه الفترة العصيبة هو أن نجمع القلوب ونسوي الصفوف، ونحتفظ بوحدتنا فمنها نستمد قوتنا وبها ننقذ دعوتنا، وما دامت القلوب موصولة والأيدي متشابكة والصفوف مرصوصة، فلن تحل الجماعة إلا على الورق، وستبقى الجماعة حية قوية بإذن الله.
ولنصل إلى هذه الغاية الجليلة علينا أن نأخذ أنفسنا بما يأتي :
أولاً : علينا أن ننسى أشخاصنا وأن نتناسي خلافاتنا، وأن لا نقلب صفحات الماضي، فإن الوقت وقت إنقاذ لا وقت تنافس ولا وقت حساب، ولنعلم أن الناس في وقت الحريق لا يبحثون عمن أشعل النار إلا بعد إطفاء النار، فلنتعاون جميعاً على الإنقاذ حتى إذا ما رست السفينة على شاطئ الأمن والسلامة، كان لمن شاء الحساب أن يحاسب وكان للجماعة أن تأخذ المخطئ بخطئه، وأود أن يعلم الإخوان أن الكلام عن الأشخاص والخلافات يؤدي إلى بلبلة الأفكار وإثارة النفوس، ونحن في أشد الحاجة إلى استقامة أفكارنا وصفاء نفوسنا كما أن الإسلام لا يجيز للمسلم أن يتكلم في حق أخيه بما يكره ويعتبر ذلك غيبة، ولقد عرف الرسول صلى الله عليه وسلم الغيبة بأنها : « ذكرك أخاك بما يكره » فقال له قائل أو لو كان في أخي ما أقوله ؟
فقال : « إن كان فيه ما تقوله فقد أغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته » أي افتريت عليه، ولا أظن أن أخاً مسلماً يحب أن يأكل لحم أخيه ميتاً، أو أن يعد في المفترين الكاذبين.
ثانيًا : في مثل هذه الأوقات تروج الإشاعات، يطلقها في الجماعة أعداء الدعوة، ويروجها المرجفون والمفسدون ودعاة الفرقة فيدعون مثلا أن فلانا له اتجاه وأن فلانا له اتجاه آخر وأن شخصا ما أشد أخلاصا من آخر وتجد مثل هذه الإشاعات المغرضة آذانا صاغية من بعض أعضاء الجماعة. وينقلها هؤلاء إلى غيرهم فيقومون بإعانة المفسدين والمرجفين دون قصد، ويعيشون عالة على أنفسهم وجماعتهم وهم لا يعلمون.
ومن حق الجماعة علينا أن ننبه إلى أن هذه الإشاعات هي أشد ما يخشى على وحدة الجماعة وأكثر ما يضعف حماسة أفرادها ويكسر قلوبهم ويجعلهم في حيرة من أمرهم. وأن أفراد الجماعة ليساهمون إلى حد كبير في تحطيم وحدة الجماعة وأضعاف روحها المعنوية بما يفعلون من تبرعهم بنقل هذه الإشاعات إلى أخوانهم وبما يسارعون إلى تصديقها.
وأولى بالإخوان المسلمين أن يتأدبوا بأدب القرآن في هذه الناحية وأن يتدبروا قوله تعالى : ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾.
ولقد نزلت هذه الآية أنكاراً على من بادر إلى الأمور قبل تحققها فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وصح أنها نزلت فيمن أشاعوا أن الرسول طلق نساءه ومن نقل هذه الإشاعة ونشرها وهي إشاعة لا صحة لها.
وليتدبر الإخوان قول الرسول -صلى الله عليه وسلم- « كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع » وقوله « من حدث بحديث وهو يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين » وليعلموا أن الرسول نهى عن قيل وقال أي أنه نهى عن الحديث بما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبين.
وإذا كان هذا هو ما أدبنا به الله ورسوله فعلينا إذن أن نميت الإشاعات فلا ننشرها ولا ننقلها إلا لمن يعلم حقيقة أمرها ليخبرنا بمدى موافقتها للحقيقة أو بعدها عنها.
ثالثا : وأخرى لا غنى عنها لضمان توحيد الاتجاهات، ولنكون يدأ واحدة في كل ما نحن بسبيله، ..، وعلى المسئولين في كل مكان أن يتأكدوا أن الأمر صادر عن المسئول الأول قبل أن ينفذوه، وليعرضوا كل الأعراض عما يأتيهم من قبل غير المسئولين من خبر أو تعليمات أو أوامر، فإنما يعرضون عن الفتنة، ويساعدون على توجيه الجماعة توجيها سليما.
ويحسن أن يتصل الرؤساء في كل إقليم بالمسئول الأول لينظموا صلتهم به، وإن لم يكن يتصل هو بهم وليتأكدوا من صحة اتصالهم، ويكفي أن يعلم الإخوان أن الأمر في هذه الناحية دقيق كل الدقة، وأن سلامة تصرفات الجماعة تقوم عليه، ولن تنجح جماعة لا يقوم أمرها على التنظيم الدقيق، والتلقي من صاحب الحق في التوجيه، ولن تؤتي الجماعة إلا إذا كان أمر التوجيه فوضى ووجد المتدخلون من يستمع إليهم أو يقبل عليهم، ولقد أعذرنا بهذا الذي نقول إلى الله ووفينا بما علينا ولم يبق إلا أن تعينونا على ما نريد.
رابعا : ونود في هذا الظرف العصيب أن نعتصم بالله وأن نحكم كتاب الله وسنة رسوله في كل قول يصدر منا، وكل عمل نأتيه، وعلينا أن نعلم أن الرؤية والحكمة هي السلاح الوحيد الذي يساعدنا على الخروج مما نحن فيه، وليأخذ كل أخ على يد أخيه ولنتواصل جميعا بالحكمة وبعمل الصالحات وبالحق وبالصبر فكل عمل الإنسان إلى خسر ما لم يأخذ نفسه بذلك ويتواصى به، ﴿وَالْعَصْرِ ﴿1﴾ إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ ﴿2﴾ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
خامسا : ولعل مما تدعو إليه الحاجة وينحسم به الموقف أن تقوم العلاقة بين الإخوان على الثقة المتبادلة وحسن الظن، وما نطلب من الإخوان في هذه إلا ما يطلبه الإسلام، فإنه يوجب على المسلم أن يحسن الظن بأخيه ويجعل حسن ظنه بأخيه من حسن عبادته، وفي ذلك يقول الصادق المصدوق : « حسن الظن من حسن العبادة ».
ولقد علمنا الله تعالى أن المرء يأثم بظنه (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)، فمن الخير أن لا نعرض أنفسنا للوقوع في المآثم، وقد أمرنا باتقائها ولن يكون أحدنا من المتقين كما يقول الرسول حتى يدع ما ليس به باس تحرزا لما به البأس.
فليثق كل منا بأخيه وليحسن ظنه به، والمسلم المؤتمن بإسلامه، وإن جماعة يتشكك بعض أفرادها في البعض الآخر لهي جماعة إلى تفتت وزوال، فاعملوا على استبقاء جماعتكم وتماسكها بالثقة المتبادلة وحسن الظن.
سادسا : واذكر أخواني بأن أمر الجماعة يقوم على الشورى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وهذا يقتضي احترام الآراء المختلفة وتقبلها بقبول حسن ومناقشتها في هدوء لبيان وجه الرأي، فإذا استبان وجه الرأي وجب أن تقف المناقشة حتى لا يكون الجدل المحرم والخصومة المنكرة، والخروج من الهدي إلى الضلال، ولنذكر أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- علمنا أن «أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم»، وأنه «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل».
وعلينا أن نعلم أن من واجبنا كأفراد جماعة أن تتلاقى قلوبنا،ولن تتلاقى قلوبنا إلا إذا تلاقت آراؤنا، أو عذر بعضنا بعضاً فيما يرى.
ومن أول ما يقرب الشقة وينهى الخلاف أن تفكر فيما يفكر فيه أخوك، وأن يفكر فيما تُفكر فيه أنت، وبهذا يقترب كل واحد من أخيه أو يلتمس له العذر، أما إذا ظل كل واحد يفكر فيما عنده وفيما يهمه ولا يفكر فيما عند غيره ولا فيما يهم أخاه فلن يكون لقاء ولن يكون إلا التنافر والتنازع، وقد حرمهما الإسلام على المسلمين ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾، ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾.
سابعا : وأخيرا فإن الظروف تقتضي من الإخوان أن يصلحوا ذات بينهم، ولو أنا تمسكنا بالإسلام لحرصنا على إصلاح ذات البين، فإنها كما يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم- «أفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة » وإن فساد ذات البين هي الحالقة.