مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
أبن خلدون الأديب الأريب
23-05-2016 12:06


يعتبر الشعراء العرب من أفضل الشعراء على مر التاريخ فما من عصر من العصور إلا وقد أبهرنا الشعراء بموهبتهم الفطرية التي نشأوا عليها من أول العصر الجاهلي وحتى يومنا هذا، وعلى مدى العصور الإسلامية قد رأينا صفوة من أهم الشعراء التي برع اسمهم وحفروه على مر التاريخ فلم يكونوا مجرد شعراء بل ظل لهم دور سياسي واجتماعي استطاعوا من خلالها أن يمجدوا أسمائهم في ذاكرة التاريخ.

ومن بين هؤلاء الشعراء ابن زيدون، وهو من أشهر شعراء العصر الأندلسي لما له من قصائد طوال بكافة فنون الشعر، فله من الغزل العفيف قصائد غاية في الروعة، بالإضافة إلى قصائده في الفخر وفي الرثاء، وقد اشتهر ابن زيدون أيضا في وصف الطبيعة، نتيجة لنشأته في وسط ربوع قرطبة، حيث الجمال الساحر والطبيعة الخلابة، لذلك نقدم حياة الشاعر ابن زيدون عن قرب.

نسبه ونشأته:
أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون المخزومي الأندلسي، فهو عربي صميم ينتهي نسبه إلى بني مخزوم قبيلة خالد بن الوليد. وزير، كاتب، شاعر. ولد في قرطبة عام 394هـ / 1003م ، وكان أبوه فيها قاضيًا وجيهًا (354 - 405هـ)، جمّ العلم والأدب، فنشأ ابن زيدون ميالًا إليهما. وساعده على الانكباب على العلم والتحصيل نشأته في قرطبة، التي كانت موئل العلوم والآداب في الأندلس. فأخذ العلم والأدب عن أبيه ومشاهير العلماء في مدينته، على أنّ تلمذته لأبيه لم تطل، فقد توفي وابنه في الحادية عشرة من عمره سنة (405 هـ /1014م). تمتع ابن زيدون بالفطانة والذكاء والنبوغ في كافة ربوع العلوم، والأهم من ذلك نبوغه في الشعر والنظم، فحفظ كثيرًا من آثار الأدباء وأخبارهم، وأمثال العرب وحوادثهم، ومسائل اللغة، وأصبح بذلك علمًا من أعلام العلم والأدب في قرطبة، ونال شهرة واسعة في مجالسها الأدبية والاجتماعية. وكان لبعض النساء المثقفات أثر عظيم في هذه المجالس، ولبعضهن منتديات أدبية، فأثر ذلك في أخلاق الأدباء، وتسابقوا إلى نيل الحظوة عند أولئك النساء الأدبيات، وظهرت آثار ذلك في نثرهم ونظمهم، ومنهم ابن زيدون.


الدور السياسي لابن زيدون:
ومما يميز ابن زيدون منذ صغره أنه كان ذا شخصية بارزة في علاقاته مع الناس، ثم كان منذ شبابه ذا طموح سياسي قوي، أخذ عليه مسالكه ووجوه اهتمامه، فقد عاش ابن زيدون حياة الصبا في قرطبة في أحلك عهودها وأظلم عصورها في عهد غروب شمس الخلافة الأموية في الأندلس وزوال نورها وانطفاء نجمها، فترة التناحر على الخلافة وإثارة الفتن وبعث الاضطرابات وانتشار الدسائس والانقلابات.


وأسهم ابن زيدون في تأسيس دولة بني جهور بقرطبة، حيث اشترك في ثورة أبي الحزم بن جهور على آخر خلفاء بني أمية لقلب الحكم، فبوأه ذلك مكانة كبيرة عند ابن جهور (من ملوك الطوائف في الأندلس)، إذ جعل ابن زيدون كاتبه ووزيره، ولمّا يبلغ الثلاثين من العمر، وكان السفير بينه وبين سائر ملوك الأندلس، إلا أن هذه النعمة لم تطل بابن زيدون، إذ إن حساده ومنافسيه راحوا يكيدون له عند ابن جهور، ولاسيما ابن عبدوس، الذي كان ينافسـه على المركز السياسي، وعلى قلب ولادة التي كان يحبها كل منهما. فما زالوا كذلك حتى أوغروا عليه قلب أبي الحزم بن جهور فألقاه في قرارة السجن زهاء عام ونصف.

واستظهر بعض المستشرقين أن سبب حبسه اتهامه بمؤامرة لإرجاع الأمويين إلى الحكم. لكن ذلك لم يثبت تاريخيًا. ثم إن ابن زيدون نفسه ذكر في بعض قصائده طول مكثه في السجن في غير ذنب جناه، وما هي إلا دسائس ووشايات. ومن ذلك قوله:

لـم تَطْـــــــــــــــــــــوِ بُـردَ شبابي كبرةٌ، وأرى *** برق المشيب اعتلى في عارض الشـــــعـر
قبـل الثلاثيــن، إذ عهــد الصبا كثَــــــــــــــــبٌ *** وللشـبيبـة غصــــــــــــــنٌ غيـر مهتصـــرِ
إن طال في السـجن إيداعي،فلاعجـــــــــــــــبٌ *** قــــــــــــد يودَع الجفنَ حـدُّ الصـارم الذكَـرِ
وإن يثــبّـــــط أبــا الحـــــزم الرّضـــى قـــــدَرٌ *** عــن كشـــف ضُرّي، فلا عتبٌ على القـدَرِ
مــا للذنـوب التي جـاني كبـــــــــــــــــــــــائرها *** غـــــــــــــيري، يحمّـلني أوزارهـا وَزَرِي ؟


وهكذا أخذ ابن زيدون يستعطف ابن جهور بعدة قصائد ورسائل عجيبة، منها رسالته المعروفة بالجدّية. ولكنها لم تُلن له قلبًا. وأخيرًا هرب ابن زيدون من سجنه واختفى بقرطبة، يتنقّـل فيها من منزلٍ إلى منزل، وقد يذهب إلى ضاحيتها "الزهراء" ليتوارى في نواحيها، ويتسلى برؤية ما فيها، وهناك كان يتذكر ولادة ويتشوق إليها، ويصف قلقه، ويعاتبها على نسيان عهده. ومما كتبه إليها وهو على هذه الحال قصيدته القافيّة المشهورة التي يقول فيها:

إني ذكرتك بالزهراء مشتاقـــــــــــــا *** والأفـق طلْق، ووجه الأرض قد راقـا
وللنسيـــــــم اعتــــلالٌ في أصائـلـــه *** كأنــــه رقّ لــي فاعتــــلّ إشفـاقــــــا
يـــوم كأيــــام لــذاتٍ لنــا انصرمــت *** بتـنــا لهـــا حين نـام الدهرُ سرّاقـــــا


ثم استجار بصديقه أبي الوليد بن أبي الحزم بن جهور مستشفعًا به إلى أبيه فشفعه، وبقي في قرطبة. وفي عام 435هـ مات أبو الحزم بن جهور وخلفه ابنه أبو الوليد محمد، فاستوزر ابن زيدون ولكن عقارب الحسد والوشاية عادت فعملت على الكيد له والتفريق بينه وبين صديقه ابن جهور، فخشي عندها أن يلقى من الابن ما لقي من الأب ففرّ من قرطبة، وأخذ يتنقل في أرجاء الأندلس إلى أن استقر به الأمر أخيرًا عام 441هـ، عند بني عباد في إشبيلية. وكان يحكمها المعتضد بن عبّاد، وكان المعتضد شاعرًا، فزاد الشعر ابن زيدون قيمة في نظره. واستراحت نفس ابن زيدون عند المعتضد، وأعلى المعتضد مكانته وقرب مجلسه وأدناه، فألقى إليه مقاليد وزارته، وأصبح صاحب أمره ونهيه.

ففي إشبيلية بدأ الشاعر حياة جديدة وصل فيها إلى أعلى درجات المجد الأدبي والاجتماعي والسياسي. ففي إشبيلية برز ابن زيدون، فلم يعد شاعرًا فقط، بل أصبح شخصية بارزة من شخصيات الدولة الإشبيلية وحصل على اللقب الرفيع "ذو الوزارتين" (يعني السيف والقلم) الذي لم يكن يمنح إلاّ لأرفع شخصية في الدولة وأقربها إلى الملك والحاكم. ومن المؤكد أنّ دور ابن زيدون في بلاط المعتضد في هذه الفترة الطويلة التي امتدت عشرين عامًا لم يكن دور شاعر بسيط، ولا حتى دور كاتب مقرّب، وإنّما كان الوزير الأول للمعتضد ومحل ثقته واعتماده ومساعده الأيمن.

فقد أقام ابن زيدون في كنف المعتضد مدة فجاء جانب من شعره سجلًا حافلًا ببعض حوادثه الجسام. ولم يترك ابن زيدون مناسبة عيد إلاّ انتهز الفرصة لمدح المعتضد، وبيان سياسته الحصيفة وحروبه المظفرة على خصومه.

وظل ابن زيدون في بلاط المعتضد مرعي الجانب كريم المنزلة متقلّدًا للوزارة لدى المعتضد حتى توفي الأخير وتولى بعده ابنه المعتمد الذي زاد في إكرام ابن زيدون. فقد أبقى المعتمد بن عباد ابن زيدون أنيسًا وجليسًا، وكان لتصرفه في شؤون النظم يتبادل القصائد معه. وقد انتقل المعتمد من إشبيلية إلى قرطبة وجعلها مقر ملكه بعد أن استولى عليها بتزيين ابن زيدون وهمّته، وبذلك استطاع هذا أن يرجع إلى بلده قرطبة ليعيش فيها بقية عمره. ولقد سعى حساد ابن زيدون وخصومه في إسقاطه عن مكانته وإبعاده عن بلاط بني عباد، حتى أشار بعضهم على المعتمد أن يرسل ابن زيدون لتهدئة الثائرة التي قام بِها العامة ضد اليهود في إشبيلية، حيث لا يمكن أن يقضي عليها إلا ابن زيدون لحب أهل إشبيلية له ومكانته عندهم، فأمره المعتمد بالسفر إليها، فسار ابن زيدون على رأس الحملة على مضض وقد أثقلته الأمراض وأوهنت جلده الأسقام، ثم ألحق به ابنه أبا بكر، محمدًا، الذي كان قد استخلفه في قرطبة، فكأن ابنه قد سافر إلى إشبيلية ليعتني بدفن أبيه وتشييعه فيها، حيث وافاه الأجل بعد أن أنجز مهمته وذلك في صدر رجب 463هـ / 1070م.

توفي ابن زيدون عن عمر يناهز 68 عاما من بعد رحلة عطائه بالشعر والأدب، حيث برع بكل فنون وأغراض الشعر العربي، وامتاز بجزالة اللفظ والحس المرهف، الذي يعبر عن مدى لباقة هذا الشاعر وحسن تربيته.

أشعر شعراء الأندلس:
كان ابن زيدون بلا شك أبرز شاعر أندلسي من حيث مستوى شعره. ويقع في الذروة بين شعراء الأندلس من حيث ملكات التعبير الأدبي وما صاحبها من إبداع فنّي، بل إنّه يحتل في الشعر العربي كله مكانًا متميزًا ومهمًا جدًا. وقد أشاد به كل من تحدثوا عنه أو ترجموا له من السابقين. وإنّ شعره يدل على أنّه واسع الاطلاع على شعر المشرق، وشعر من قبله من الأندلسيين وأنّه أفاد من كل ذلك مع احتفاظه بشخصيته المميزة في شعره وعنايته بإبراز ذاته في أعماله الشعرية. قال عنه الدكتور شوقي ضيف "كان ابن زيدون يحسن ضرب الخواطر والمعاني القديمة أو الموروثة في عُملة أندلسية جديدة، فيها الفن وبهجة الشعر وما يفصح عن أصالته وشخصيته".


ومن يقرأ شعر ابن زيدون ونثره، ويتقصى أخباره وأخبار عصره يجد أنه يرقى إلى مرتبة زعماء البيان العربي عامةً، وأنه إمام من أئمة عصره. فقد طارت شهرته شاعرًا وكاتبًا، وقال فيه ابن بسام الأندلسي: "كان أبو الوليد غاية منثور ومنظوم، وخاتمة شعراء بني مخزوم".

وصارت رواية الناس لشعره من أدوات استكمال الظَّرْف فقال بعض الأدباء: "من لبس البياض، وتختّم بالعقيق، وتفقّه للشافعي، وروى شعر ابن زيدون، فقد استكمل الظَّرف".

ولا غرو ففي شعره ذلك اللون الرائع من الفنية الشعرية المحببة التي تمتزج بالنفس، وتهيمن على القلب، لافتنانه في الأداء والتعبير، وإبداعه في تصوير أروع المعاني الجديدة، وأدق الخوالج النفسية، مع طبيعة سمحة، لا التواء فيها ولا تكلف.

ولم يتجاوز الصواب من لقبه بـ "بحتريِّ المغرب" تشبيهًا له بالشاعر العباسي أبي عبادة البحتري الذي يوصف شعره بسلاسل الذهب، لعذوبته ورقته وجمال صوره وحلاوة موسيقاه.

ديوان شعر ابن زيدون:
ولابن زيدون ديوان شعر طبع مرارًا، وأجود طبعاته وأكملها تلك التي حققها وشرحها علي عبد العظيم وطبعت في مصر سنة 1957م. ويضم هذا الديوان أكثر فنون الشعر المعروفة، ولكن بعضها أظهر من بعض بحسب طبيعة الشاعر نفسه والمؤثرات في حياته وبيئته وأدبه، ويُلاحظ أن ابن زيدون تغزل وافتخر، ومدح واستعطف، ورثى وهجا، وشكا الدهر وغدر الناس، ووصف الطبيعة ومجالس الخمر، ومزج ذلك بأوصـاف المرأة مزجـًا عجيبًا ومبتكرًا، كما نظم في الإخوانيات والمداعبات. ويشغل الغزل أكبر قسم من ديوانه، وبعده تأتي الشكوى من الدهر وغدر الناس، ثم الاستعطاف والمدح، فسائر الأغراض الأخرى.


ويلاحظ على ابن زيدون في هذه الفنون الشعرية كلها أنه صادق في كل ما ينظم، وأنه يعبر عن تجارب قلبية شخصية عاشها واكتوى بنارها، وأن نفسه موزعة بين عاملين اثنين يعتلجان في نفسه:


وأما وصف ابن زيدون فهو جيد بالغ الجودة كان ما يصفه مرتعًا لذكرياته التي تعيد إلى فكره صور لياليه الماضية في أحضان الطبيعة وظلالها الوارفة ممتزجة بذكريات هواه، فأتى الوصف ممتزجًا بالغزل. أما فيما عدا ذلك فلم يكن لأوصاف ابن زيدون قيمة تذكر، كوصف الكأس، ووصف العنب، وما إلى ذلك لأنه كان يتصنع فيما يقول، ويتكلف فيما ينظم.


ابن زيدون الأديب الأريب:
ولقد تألّق نجم ابن زيدون في الكتابة تألّقه في الشعر. كان ابن زيدون كاتبًا بارعًا وناثرًا ماهرًا، ونال مكانة رفيعة في بلاط المعتضد وخاصة بعد وفاة الأديب الكاتب ابن برد، وقد حظي ابن زيدون بإعجاب ورضى المعتضد بعد أن أثبت قدرات واسعة ليس في الأدب فقط وإنّما في المهام الحكومية التي أسندت إليه، فلم يكن شاعرًا أو كاتبًا فقط، بل كان شخصية لامعة في الحكومة الإشبيلية ونال لقب ذي الوزارتين. فقد كان ابن زيدون مالكًا لعنان الكتابة ملكيته لعنان الشعر. وكان بارعًا في صوْغ الكلام سواء أحاله شعرًا أم نثرًا، وكانت لديه قدرة بديعة في حوْكه ونَسْجه.


فإلى جانب ديوان الشعر الذي خلفه لنا ابن زيدون، وضم ما وصل إلينا من أشعاره، فقد ترك آثارًا ورسائل نثرية تمثل شخصيته وأدبه وبيئته وعصره، وكانت، كشعره، صادرة عن تجارب صادقة وحوادث عايشها، وكل ذلك لم يكن بعيدًا عن نفسه ومعاناته في الحب، والسجن عامة، وهذه الرسائل هي:

الرسالة الهزلية:
كتبها ابن زيدون على لسان ولادة، وأرسلها إلى ابن عبدوس -الذي كان يزاحمه على حب ولادة- يتهكم بها عليه، وينال منه ويتشفى، ولعل ولادة لم تكلفه كتابتها. وفي الرسالة إقذاع وهجاء، وتكشف عن نفس ابنزيدون الساخطة الحاقدة التي لا تعرف الرحمة. ويبدو تأثره فيها برسالة التربيع والتدوير للجاحظ.


وقد شرح هذه الرسالة الأديب الشاعر ابن نباتة (ت 768هـ) في كتاب سماه "سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون" وقد طبع غير مرة، ونقتطف من أول تلك الرسالة قول ابن زيدون: "أما بعد، أيها المصاب بعقله، المورَّط بجهله، البيّنُ سقَطُه، الفاحش غلَطُه، العاثر في ذيل اغتراره، الأعمى عن شمس نهاره، الساقطُ سقوط الذباب على الشراب، المتهافت تهافت الفَراش إلى الشهاب، فإن العُجْب أكذبُ، ومعرفةَ المرء نفسَه أصْوبُ. وإنك راسلتني مستهديًا من صلتي ما خلتْ منه أيدي أمثالك ..".

الرسالة الجديّـة:
كتبها ابن زيدون في سجنه إلى أبي الحزم بن جهور، يستعطفه بها، ويبرئ نفسه من التهمة التي كالَها له أعداؤه. وقد أثار هذا الحبس في نفسه عاطفة فنية جديدة رققت من خيالـه الشعري وأثارت آلامه. ولهذه الرسالة شهرة كبيرة أيضًا في الأدب العربي. وقد شرحها العلامة الصفدي (764هـ) في كتاب سماه "تمام المتون في شرح رسالة ابن زيدون"، ونقتطف من مطلعها قوله مخاطبـًا ابن جهور:


"يا مولاي وسيدي الذي ودادي له، واعتمادي عليه، واعتدادي به، وامتدادي منه، ومن أبقاه الله تعالى ماضيَ حدّ العزم، واريَ زند الأمل، ثابت عهد النعمة. إن سلبتَني أعزّك الله لباس نعمائك، وعطَّلتَني من حلْي إيناسك، وغضضت عني طرف حمايتك، بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك، وسمع الأصم ثنائي عليك، فلا غرو، قد يغصّ بالماء شاربه، ويقتل الدواءُ المستشفيَ بـه، ويـؤتى الحـذِرُ من مأمنه".

وقد اشتهر ابن زيدون بهاتين الرسالتين لجودة أسلوبهما النادر المثال، ولاحتوائهما على كثير من الأسماء التاريخية، والأمثال العربية، والأبيات المختارة السائرة. وهاتان الرسالتان صورة لثقافة ابن زيدون وفكره، وهو لا يجري فيهما على سنن واحد في الأسلوب والطريقة، ونراه يكلف بالسجع والصنعـة في رسالتـه الهزلية، في حين يرسل نفسه على سجيتها في رسالته الجدية ولا يحرص على السجع حرصه عليه في الرسالة الأولى.


ولا بد من الإشارة إلى أن المقّـري ذكر في "نفح الطيب" أن لابن زيدون كتابًا مفردًا جامعًا في تاريخ خلفاء بني أمية بالأندلس، سماه "التبيين على منزع التعيين في خلفاء المشرق للمسعودي" وقد ضاع كتاب المسعودي كما ضاع كتاب ابن زيدون ولم يبق منه إلا مقطوعتان حفظهما لنا نفح الطيب، وأوردها علي عبد العظيم في "ديوان ابن زيدون ورسائله" نقلًا عن "النفـح". وقولـه "على منـزع" يعني "على منهج".
هذه حياة شاعر ناثر عظيم وهي حياة أمة في صورة شاعر. ففي حياته العامة صورة واضحة كل الوضوح لما كان عليه عصره من تفكك سياسي واضطراب في الحكم وتنافس، بل وتناحر بين أمراء وحكام الأندلس بعد أن تفرقت كلمتهم. وفي حياته الخاصة صورة ناطقة لما كان عليه المجتمع الأندلسي من تذوق أدبي عالٍ وحب للشعر والجمال.
كما أننا يمكن أن نتلمس في حياة ابن زيدون مؤثرات ثلاثة اجتمعت على تكوين شخصيته وصهرها في بوتقة واحدة، وكان لها أثرها البالغ في حياته وفي أدبه، شعره ونثره، وهي: طموحه السياسي، مع ما تبعه من أحداث سياسية وتقلبات مختلفة. حبه لولادة وتعلّقه بها طوال حياته. سجنه الذي أمضّه وآلمه، وأذكى شاعريته وحرّك أعماق نفسه.
وبذلك كله بلغ ابن زيدون في حياته درجة عالية من الشهرة وذيوع الصيت، فكان الوزير المجلّي، والمحب المخلص، والسجين المعتدّ بنفسه كل الاعتداد، والصابر كل الصبر، كما كان الشاعر المجيد والناثر البليغ، فحمل لواء الزعامتين في النظم والنثر، وقلما نجد إنسانًا يبدع فيهما معًا ويجيد كل الإجادة. وإلى جانب ذلك كله كان أدبه مرآة صادقة لأدب عصره الزاهي وثقافته من جهة، ولسيرة حياته وتقلباته من جهة أخرى، فضلًا عن مزايا شخصيةٍ كان ابن زيدون يتمتع بها من حسن الروية، وسرعة البديهة وقوة الذلاقة، وقدرة على تصوير ما يشعر به، وعلى التعبير عما يجول في خاطره شعرًا أو نثرًا.
هكذا عاش ابن زيدون حياته بكل جوانبها، وقاسى جميع المآسي. وإذا صح أنّه كان فعلًا متيمًا بولادة، التي قاسى من فراقها الدائم، فيجب أن تضاف مأساته الخاصة إلى الصورة الشاملة للصراع السياسي الدائر حول الشاعر. حياة ابن زيدون ترسم صورة لعصر من أكثر عصور الأندلس إثارة وهو عصر ملوك الطوائف.