مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
الهمة العالية
01-11-2016 13:22


يشكو كثير من الدعاة اليوم من فقر إنتاجهم وقلة عطائهم الدعوى حتى المُنتج منهم يشكو من رداءة سلعته وعدم رضاه عنها وكأن لسان حاله يقول جئنا ببضاعة مزجاة!
يأتي هذا رغم ما آلت إليه الدعوة من تراكم في الخبرات واتساع في الامكانات فأين تكمن المشكلة ؟
المشكلة تكمن أساسا في فتور همة الداعية ورضاه بما يُقدم رافعا شعار( ليس في الإمكان أبدع مما كان)
وهذه حالة لم يكن عليها النبي صلي الله عليه وسلم ولا أصحابه ولا شيوخ الدعوة علي مدي العصور والأزمان
فالفاروق عمر رضي الله عنه يحذر ((لا تصغرن همتك فإني لم أر اقعد بالرجل من سقوط همته ).
والهمة هي الإرادة الأكيدة في القلب لفعل الشيء وإتمامه
وقد تعوذ النبي صلي الله عليه وسلم من كل أشكال العجز وضعف الهمة فقال " اللّهُمّ إِنّي أَعوذُ بِكَ مِنَ الْهَمّ وَالْحَزَنِ، وَأَعوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ، وَأعوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ والْبُخْلِ وَأعوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَال)
يقول الإمام البنا رحمه الله (ألا ترى في هذه الأدعية أنه قد استعاذ بالله من كل مظهر من مظاهر الضعف: ضعف الإرادة بالهم والحزن، وضعف الإنتاج بالعجز والكسل، وضعف الجيب والمال بالجبن والبخل، وضعف العزة والكرامة بالدين والقهر ؟)
وقد كان صلي الله عليه وسلم قدوة في علو الهمة وطموح الداعية فعلم أصحابه حين الدعاء ألا يقنعوا بما هو دون الفردوس الأعلى في الجنة فقال: (فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أوسط الجنة، وأعلى الجنة - أراه - فوقه عرش الرحمن) البخاري
حتى انتقل هذا العلو إلي أصحابه رضوان الله عليهم فهذا هو ربيعة بن كعب الاسلمي رضي الله عنه يقول له النبي صلي الله عليه وسلم: ((سل )) ... فقال: ((أسألك مرافقتك في الجنة )) ! .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال (( ألا تسألني من هذه الغنائم التي يسألني أصحابك ؟
قلت أسألك أن تعلمني مما علمك الله.
فنزع نمرة كانت علي ظهري فبسطها بيني وبينه حتى كأني أنظر إلي النمل يدب عليه فحدثني، حتى إذا استوعبت حديثه قال "اجمعها فصُرها إليك " فأصبحت لا اسقط حرفا مما حدثني )) البخاري ومسلم.
هكذا تفعل الهمة العالية بأصحابها تنقلهم من حال إلي حال ومن مقام إلي مقام
والداعية لابد أن يجد الهمة في قلبه كجذوة النار المشتعلة لا يسمح لها أن تفتر أو تنطفئ
يقول الأستاذ أبو الأعلى المودودي رحمه الله مخاطبا الدعاة والمصلحين " انه من الواجب أن تكون في قلوبكم نار متقدة تكون في ضرامها – علي الأقل – مثل النار التي تتقد في قلب أحدكم عندما يجد ابناً له مريضاً ولا تدعه حتى تجرّه إلي الطبيب أو عندما لا يجد في بيته شيئا يسد به رمق حياة أولاده فتقلقله وتضطره إلي بذل الجهد والسعي...
واسمحوا لي أن أقول لكم: إنكم إذا خطوتم علي طريق هذه الدعوة بعاطفة ابرد من تلك العاطفة القلبية التي تجدونها في قلوبكم نحو أزواجكم وأبنائكم وأمهاتكم فإنكم لابد أن تبوؤوا بالفشل الذريع !!".
هكذا يجب أن تكون الهمة كالشعلة لا تنطفئ أو كالطائر يحرص ألا يسقط أو يقع
يحكي عن عبدا لرحمن الداخل (صقر قريش) انه لما فر من العباسيين متوجها إلي الأندلس اهديت له جارية جميلة فنظر إليها وقال " إن أنا اشتغلت عنها بهمتي فيما اطلبه ظلمتها وان اشتغلت بها عما اطلبه ظلمت همتي ولا حاجة لي بها الآن، وردها إلي أصحابها "
وصاحب الهمة لا تقف له همة! فإذا فاز بما يطلب لم يقنع حتى يحصل علي ما لا يطلب
فها هو عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد يقول " إن نفسي تواقة وإنها لم تعط من الدنيا شيئا إلا تاقت إلي ما هو أفضل منه فلما أعطيت مالا أفضل منه في الدنيا تاقت إلي ما هو أفضل منه – يعني الجنة".
والآن ألا تقف مع نفسك أيها الداعية وتنظر أين همتك ؟
هل صرفتها إلي الدنيا فهي دنية أم إلي فردوس ربك وجنات عالية ؟
" همة متعلقة بالعرش أم همة حائمة حول الأنتان والحُش " ابن القيم –
هل صرفتها لطلب ما هو مضمون لك من الرزق
إذا فاسمع الجيلاني يعلمك "لا يكن همك ما تأكل وما تشرب وما تلبس وما تنكح وما تسكن وما تجمع ... كل هذا هم النفس والطبع فأين هم القلب والسر وهو طلب الحق عز وجل ؟!
همك ما أهمك ... فليكن همك ربك عز وجل وما عنده.
الدنيا لها بدل وهو الآخرة والخلق لهم بدل وهو الخالق عز وجل
كلما تركت شيئا من هذا العاجل أحدثه عوضا وخيرا منه في الآجل" .
واخيرا كلمه : ياطالب المعالي ما نيل المعالي بالأماني ولكن بعزم ومغالبة ورحم الله من قال :
وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
والله أكبر ولله الحمد