مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
ما الذي تبقّى من الهيمنة الفرنسية على إفريقيا الفرانكفونية؟!
هل ستتمكّن فرنسا؛ القوة الإستعمارية السابقة من تدارك موقعها الذي خسرته في القارة السمراء لحساب كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وبقية الدول الناشئة، في عالم لم تكن فيه المنافسة بهذه الضراوة التي عليها اليوم؟
15-01-2017 12:54

هل ستتمكّن فرنسا؛ القوة الإستعمارية السابقة من تدارك موقعها الذي خسرته في القارة السمراء لحساب كل من الولايات المتحدة الأمريكية والصين وبقية الدول الناشئة، في عالم لم تكن فيه المنافسة بهذه الضراوة التي عليها اليوم؟

تساؤلات يجيب عليها للأناضول الجيوسياسي الفرنسي ميشيل غالي، في وقت انطلقت فيه الدورة 27 للقمة الإفريقية- الفرنسية، أمس الجمعة، في باماكو عاصمة مالي، حول "الشراكة والسلام"، وفي ظل الانتقادات المتواترة حول "الواقع الإستعماري الجديد" للمستعمرات الفرنسية السابقة في إفريقيا.

** قواعد اللعبة تتغيّر

غالي؛ المختص في المسائل الإفريقية، قال إن الحضور الفرنسي في المجال الإفريقي الفرانكفوني أضحى اليوم "عسكريا أكثر منه إقتصاديا"، ضمن مسار تحوّلي يفرضه التغيّر الحاصل على مستوى قواعد اللعبة في العصر الحديث.

الخبير ربط، في حديث للأناضول، التغيير الطارئ على الخارطة الجيوسياسية بصعود قوى جديدة مثل الصين والهند، ولكن أيضا بصحوة النخب والجاليات الإفريقية المقيمة خارج بلدانها الأصلية.

فهؤلاء الأفارقة الحاصلين على تكوين أكاديمي عال، والذين بينهم من يعمل ويقيم في فرنسا أو بريطانيا أو الولايات المتحدة الأمريكية، أصبح لهم دور محوري في بثّ الوعي في صفوف مواطنيهم، وحثّهم على أخذ مصيرهم بزمام أيديهم، مع كل ما توفره التكنولوجيات الحديثة ومواقع التواصل الإجتماعي من دعم في هذا الصدد.

طرح يحيل، في هذه المرحلة، على تعقيب سابق للجيوسياسي حول ما ذهب إليه الصحفي والكاتب الفرنسي أنطوان غلاسر في كتاب له بعنوان "متعجرف مثل فرنسي في إفريقيا" وضع فيه الأخير الرؤساء ورجال الأعمال والعسكريين والدبلوماسيين والمحامين الفرنسيين، جميعا، موضع اتهام.

غالي سلّط الضوء على "خيبة أمل النخب الإفريقية المحرومة ظلما من الحصول على تأشيرة الدخول إلى فرنسا، والعلاقات المالية المشبوهة بين بعض السياسيين المنتخبين الفرنسيين بطغاة القارة السمراء".

ومضى غالي في تحليله لأبعد مما تقدّم، ليتطرق إلى "عسكرة المساعدات ودعم الدكتاتوريات والتنمية الوهمية، إضافة إلى التلاعب بالانتخابات، والتي تلاقي جميعها رفضا من شباب إفريقي سحب البساط من تحت أقدام فرنسا التي لازالت حتى الآن عاجزة عن استيعاب هذه الحقيقة".

رؤية للوقائع لا يزال الجيوسياسي الفرنسي يحتفظ بها حتى اليوم، لافتا إلى أن "الشباب وخصوصا الجاليات والنخب الإفريقية تبدو حاليا مصمّمة على وضع حدّ لوضع يعتبرونه غير مقبول".

و"لئن كانت المسائل المالية، لا تعتبر من الأمور التي تشكّل حافزا بالنسبة لتلك الجاليات والنخب"، يتابع، "إلا أنها تنتفض في المقابل ضدّ 150 عاما من الهيمنة العسكرية والإستغلال العنيف تحت مسمّيات مختلفة، لكن بنتائج متشابهة تجتمع تقريبا حول تأمين بقاء الدكتاتوريات أو ديمقراطية الدكتاتورية ورعايتها".

ودعما لقراءته، تطرق الخبير الفرنسي إلى العملية العسكرية الفرنسية لمكافحة الإرهاب في الساحل الإفريقي، المعروفة باسم "برخان"، والتي أعقبت عمليتي "سرفال" و"إيبرفييه" لتعقّب المجموعات المسلحة والمتطرفة المتمركزة شمالي مالي (العمليتان أطلقتا في 2012).

وفي ذات الصدد، اعتبر غالي أن الوجود العسكري الفرنسي لا مثيل له مقارنة ببقية القوى العظمى والقوى الإستعمارية السابقة، ما يضرّ بصورة فرنسا لدى أفارقة باتوا أكثر وعيا وقدرة على استيعاب موازين القوى والأطماع الخارجية المحدقة بهم.

وبحسب تقارير إعلامية فرنسية، فقد تدخّلت فرنسا في إفريقيا 50 مرة، في غضون 50 عاما، وثبّتت في هذه القارة معظم قواعدها العسكرية، أبرزها في مالي وإفريقيا الوسطى وكوت ديفوار (ساحل العاج) والنيجر وبوركينا فاسو إلى جانب كل من السنغال والغابون وخليج غينيا وجيبوتي.


** ثقة مكسورة

عامل آخر يرى غالي إنه يغذّي ويعزز مشاعر العداء لفرنسا لدى الأفارقة، ويهمّ الميثاق الاستعماري الذي لا يزال ساري المفعول بين البلد الأوروبي ومستعمراته الإفريقية السابقة.

ميثاق قال إنه يحكم على الفرنك الإفريقي، العملة الموحّدة لـ 14 دولة افريقية عضو في منطقة الفرنك الإفريقي، 12 دولة منها كانت في السابق مستعمرات فرنسية، بالبقاء تحت وصاية فرنسا.

ويلزم الميثاق هذه البلدان بإيداع 50 % من حجم ودائع نقدها الأجنبي للخزانة الفرنسية، وفق تقارير إعلامية إفريقية ودولية.

ومنطقة الفرنك هي مجال اقتصادي ونقدي في منطقة افريقيا جنوب الصحراء، أنشأت في 1939، وتضم 14 بلدا افريقيا بإجمالي سكاني مقدّر بـ 155 مليون نسمة.

وتستثمر فرنسا الودائع الإفريقية التي تناهز قيمتها عشرات المليارات من الدولارات، في شكل سندات خزانة تستخدمها، في مرحلة موالية، لضمان الحصول على قروض لتمويل عجزها العام، وفق المختص الإقتصادي السنغالي، سانو مبايي، وهو أحد الكوادر السابقة بالبنك الإفريقي للتنمية.

ميثاق استعماري لفت غالي إلى أنه ما انفكّ يثير انتقادات وغضب الكثير من الأفارقة ممن يكنّون كرها شديدا لفرنسا، جازمين بأن هذا الإرتباط هو مصدر بؤسهم وتخلّف بلدانهم اقتصاديا.

غضب يضاف إلى إعادة ترتيب موازين القوى العالمية، كان من البديهي أن يدفع نحو تراجع الحضور الإقتصادي لفرنسا في إفريقيا، بحسب مراقبين قدّروا أن القمة الإفريقية - الفرنسية المنعقدة في يومها الثاني في باماكو، بعيدة –بحكم افتقارها إلى الموارد- عن تغيير حقيقة مفادها تقدّم المجال الناطق بالإنجليزية في إفريقيا، وتراجع "الغطرسة الفرنسية" كما يراها الأفارقة ويتحدث عنها مراقبون ومحللون أفارقة وغربيون.

وفي يناير/ كانون ثان الماضي، أعرب "المجلس الفرنسي للمستثمرين في إفريقيا" (مستقل)، في تقريره 2015، عن قلقه من تراجع حصة الاستثمار الفرنسي في إفريقيا مقارنة ببقية البلدان الناشئة مثل الصين (16 % من حصة السوق الإفريقية) أو الهند، والمتواجدتين بشكل مكثّف في قطاع السيارات".

من جانبه، قال إيدو كوسيه أمينونفي، المدير التنفيذي للبورصة الإقليمية للأوراق المالية، البورصة الموحّدة لـ 8 بلدان في غرب إفريقيا، في تصريحات لوسائل الإعلام، إن "إفريقيا تستقطب فرنسا بشكل أقلّ، ورسملتنا (إجمالي سعر أسهم الشركات/ تقدّربـ 13 مليار دولار) تضاعفت في 3 سنوات بفضل الدول الناشئة والناطقة بالإنجليزية".

وأضاف أن "الفرنسيين أضحوا أقلّ عدوانية ولا يمتلكون استراتيجية لاختراق السوق الإفريقية".