مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
محمدعويس يكتب| البرزاني...أكلت يوم أكل الثور الأبيض
02-11-2017 12:39


*نبذة تاريخية
شعب الكرد بلغتهم وثقافتهم من أقدم شعوب المنطقة حضارة وثقافة، ولقد لاقوا الكثير من المتاعب في سبيل ذلك.
منّ الله على أكثرهم بالدخول إلى الإسلام فدخلوا فيه طواعية، وسجلت كتب التاريخ أن أول صحابي دخل عمق كردستان ،هو سيدنا عياض بن غنم القرشي في عهد عمر بن الخطاب،فكانوا خير جنوداً للخلافة الإسلامية في شتى عصورها،كان منهم العلماء والقادة، وما سجله التاريخ لهم من بطولات بصدهم هجمات الصليبيين والباطنيين بقيادة صلاح الدين الأيوبي، لهو خير دليل على إخلاصهم لدينهم.
تعتنق غالبية الأكراد الدين الإسلامي،وغالبيتهم من أتباع المذهب الشافعي،كما يوجد عدد من العشائر الكردية من أتباع المذهب الشيعي، ومع مرور الزمن دخلت عليهم أفكارا شتى، لكن يبقى بينهم أصلاً وعاملاً واحدا مشتركا (عُجَرهم وبُجَرهم) وهي "القوميّة" سبيلا لإيجاد الدولة الكردية المنشودة.


*محطات في تاريخ الكرد
إن من أهم وأبرز المحطات في تاريخ الكرد، والتي لم تكلل حتى الآن بوجود دولة كردية معترف بها دولياً في المنطقة، بعد مرور كل هذا الزمن، والتي عانا خلالها الشعب الكردي بجميع طوائفه الكثير من الصّعاب، ومن ثم أخمدت كل هذه التحركات الساعية لإيجاد وطناً معترف به،وهي :
-إتفاقية "سيكس بيكو" والتي بموجبها تم تقسيم كردستان بين دول الجوار.
-معاهدة "لوزان" التي لم تذكر اسم "الكرد" واقتصرت على ذكر الحقوق الثقافية والدينية للأقليات.
- ظهور الكثير من الحركات الكردية على فترات متقاربة من الزمن في شتى مناطق كردستان،والتي كانت باستمرار تطالب بالحقوق الكردية، كان من أبرزها على سبيل المثال:
- حركة الشيخ محمود الحفيد سنة 1920 في السليمانية ضد الإحتلال البريطاني.
- حركة الشيخ سعد بيران 1925 – 1931 في تركيا.
- حركة البرزانيين لأحمد ومصطفى البرزاني 1930 – 1975 شمال العراق.
- إعلان جمهورية مهاباد 1946 غربي إيران.
- وأخيراً وليس آخرا، استفتاء أيلول/ سبتمبر 2017 من قبل مسعود برزاني،تمهيداً لإعلان انفصال كردستان العراق.


*القوميّة هي المحرك
وليست "القومية" بعيدة عن الأيدلوجية الفكرية "للكرد" بل تعتبر هي المحرك الرئيسي والأساسي لجميع الكرد، سواء اليساري منهم أو الاشتراكي أو حتى الإسلامي، وليس ذلك عيباً فحسب، بل العيب جعل تلك "الحميّة" والقوميّة فوق ماسواها من الأمور، ضاربة بكل شيء عرض الحائط ودون النظر لمآلات وعواقب الأمور.


* البرزاني والإملاءات الخاسرة
أقدم رئيس حكومة إقليم كردستان العراق السيد "مسعود برزاني"، بعد إملاءات من بعض الدول والتي "من مصلحتها استمرار اشتعال المنطقة"،على الإعلان عن الاستفتاء في الوقت الحالي ،غير ملزم في أيلول / سبتمبر2017، للسعي من خلاله إلى انفصال اقليم كردستان العراق، بالرغم من التحديات التي تمر بها المنطقة من خطورة التقسيم والتجزئة والاحتلال،وعلى إثر الإعلان عن هذا الاستفتاء،دخلت القضية الكردية مرة اخرى في أزمة كبيرة سواء من داخل الإقليم مع المعارضين أو من خارجه مع دول الجوار.
لقد لعب البرزاني قبيل الإستفتاء مع جميع طوائف الشعب الكردي حتى الإسلاميين منهم ،على حبل "القوميّة" كي يصل إلى مآربه الخاصة، وذلك من خلال الموافقة على تمرير الاستفتاء تحت مظلة خدّاعة شعارها (إما مع التصويت لصالح الاستفتاء،وإما غير ذلك فتكون الخيانة).
وقد حاول بهذه الخطوة أن يصنع لنفسه "تمثالاً" لدى الشعب الكردي،وأن يصنع مالم يصنعه غيره للقضية الكردية، أو من وجهة نظر أخرى بأن يخوّل له الاستفتاء إن مرت الأمور بسلام، من اكتساب تأييد شعبي كردي يؤهله من الاستمرار في حكم رئاسة الإقليم.


* ما بعد الإستفتاء المكاسب والخسائر
رغم التحفظات الدولية والإقليمية وخاصة من دول الجوار،العراق وتركيا وإيران،أصرّ البرزاني على المضي في الإستفتاء والتصويت لصالح إنفصال إقليم كردستان العراق،وإقامة الأفراح الغامرة والإعلان عنها،والتي لم يخفيها أحد من الكرد،اللّهم إلا فئة قليلة كانت متحفظة وفقط على توقيت الإستفتاء، وليس على الانفصال، وكانت متخوفة من وضع الإقليم وما سوف تؤول إليه الأمور بعد ذلك.


ولعلّ أكبر الخسائر التي مُني بها برزاني من وجهة نظري خسارته لـ"تركيا الحليف الاستراتيجي" هذا ما دعا السيد أردوغان بأن يصف ما أقدم عليه برزاني،بمثابة "خيانة".

ثم جاءت ردود الفعل قوية وفورية من دول الجوار باتخاذ بعض التدابير والإجراءات، لمواجهة خطر التقسيم وفرض بعض العقوبات،من إغلاق للمعابر وتحرك عسكري من قبل الحكومة العراقية ومعها ملشيات الحشد الشعبي المدعوم إيرانياً،بل والسيطرة على مناطق متنازع عليها بالإتفاق مع بعض القوى الكردية الأخرى أنصار طالباني على الدخول إليها دون مواجهات تذكر،وغيرها من المكاسب على الأرض لصالح الحكومة العراقية.
وتوالت الخسائر على الإقليم تلو الأخرى،إلى أن رضخ البرزاني للمطالب،وعرض التفاوض وقبِل بإلغاء نتيجة الإستفتاء،مما وضع الشعب الكردي الذي صوت لصالح الإنفصال في حالة "خيبة أمل كبرى" وتم كسر الحلم المنشود الذي يُراود الأكراد في إقامة دولة كردية مرة أخرى.
أصبح البرزاني وقتها في وضع لا يُحسد عليه أمام شعبه،وأصبح ينتظر مدد وعون الشركاء الذين أملوا عليه ماذا يفعل؟!! وكيف يتصرف؟!!
لكن لا فائدة، فأصبح حاله حينئذ يقول: ( أكلت يوم أكل الثور الأبيض).


*أكلت يوم أكل الثور الأبيض
الحق يقال أن التعامل مع البرزاني وحزبه، كان من أفضل المكونات والقوى الكردية لتركيا الحليف،إذ كانت الأخيرة تعتبره "حليفاً استرتيجياً" لمواجهة الحكومة العراقية الطائفية من جهة،وحزب العمال الكردستاني في المنطقة من جهة أخرى،لكن ماصنعه البرزاني لإرضاء غروره، مسح تاريخة بجرة قلم حتى بين الشعب الكردي نفسه، وأجبر تركيا بأن تتخلى عنه،وتبحث عن غيره بديلاً.
ومن جانبها دعت بعض القوى الكردية المعارضة لإقالة البرزاني من منصبه كرئيس للإقليم،وحمّلته كل ما آلت إليه الأمور في الإقليم جراء هذا الإستفتاء.
وفي هذا الصدد نقلت مجلة نيوزويك الأمريكية "أن توتر العلاقات بين بغداد وأربيل قد يؤدي إلى تنحية بارزاني من منصب رئيس الإقليم".
وعلى مدار الساعة من المدولات التي عُقدت داخل أروقة الحزب الديمقراطي الكردستاني الحاكم لم يمضي الكثير من الوقت حتى بعث برزاني برسالة إلى البرلمان قال فيها "أرفض الاستمرار في المنصب بعد 1 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، وطالب أن يعقد البرلمان جلساته واجتماعاته في أقرب وقت، لملء الفراغ القانوني الذي قد يحدث في واجبات وسلطات رئيس الإقليم، وكذلك لحل هذا الموضوع بشكل كامل".
على إثره وافق برلمان الإقليم على قرار نقل وتوزيع صلاحيات برزاني إلى الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية.
ويبقى القول بأن الإقبال على مثل هذه الخطوة الغير مدروسة،حطّمت معها آمال وطموحات الشعب الكردي، وتراجعت معها مؤشرات المطالبة بحقوق الأكرد في الإقليم إلى عهود مضت.


ولعل أبرز الأسئلة التي سوف تجيب عنها الأيام القادمة هي: من سيخلف برزاني لرئاسة إقليم كردستان العراق خلال المرحلة القادمة ؟

وأخيراً: لقد مرت القضية الكردية بمنعطفات تاريخية أصابها ما أصابها من إخفاقات،ومرت بسنوات طوال من الصراعات،وأنتجت خلالها محاولات مضنية لإقرار الوجود وحق المصير الكردي،وتحالفات مع هذا وذاك،وأيدلوجيات وأفكار شتى داخل البيت الواحد، وشعارات ونعرات قومية،وتجاذبات سياسية،وزيارات مكوكية دبلوماسية سواء كانت معلنة أو مخفية،ووعود وإغراءات بالمكاسب الرمادية، لكن .. تزال القضية الكردية تحتاج إلى أُناس أكثر عقلانية.