مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
مجدي مغيرة يكتب .. لماذا القدس ؟
12-12-2017 11:17


لماذا نهتم نحن المسلمين ... نحن العرب بالقدس ؟
هل لأننا الأقدم سكنا فيها منذ آلاف من السنين ، ولم يسكنها اليهود سوى بضع مئات من السنين فقط ؟
هل لأن الصهاينة اغتصبوها رغما عن أهلها وهذا مخالف لمبادئ الأمم المتحدة التي تمنع الاستيلاء على الأرض بدون رضا أهلها ؟
هل بحق الفتح الذي كان على يد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ؟
وبحق المعارك التي خاضها صلاح الدين الأيوبي رحمه الله لاستردادها من أيدي الصليبيين بعد تسعين عاما من احتلالها ؟
لكل ما سبق ذكره يحق للعرب الدفاع عن مدينة القدس ، لكي تكون بيدهم لا بيد غيرهم .
لكنَّ هناك سبباً آخر يدفع العرب والمسلمين إلى الحفاظ على القدس ، وتحريرها من أيدي غاصبيها أياً كانوا !
وهو في الحقيقة السبب الأكثر أهمية ، والأقدر على إشعال نار الغضب في النفوس ، واستعدادها للتضحية بكل غالٍ ونفيس من أجل القدس ، بل وإقبالها على الموت إن تطلَّبَ الأمرُ !
ينسى البعض أن القدسَ أولى القبلتين ، وثالث الحرمين .
ينسى البعض أن رسولنا صلى الله عليه وسلم في رحلة الإسراء إلى القدس ، صلَّى إماماً بجميع الأنبياء في المسجد الأقصى.
فلماذا صلى بهم ؟
ولماذا كان إمامته لهم في المسجد الأقصى وليست في المسجد الحرام بمكة أو المسجد النبوي بالمدينة ؟
نجد الإجابة على ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى في الآية 81 من آل عمران: { وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ } .
قال ابن عباس: "ما بعث الله نبياً من الأنبياء إِلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث الله محمداً وهو حي ليؤمننَّ به ولينصرنَّه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته" ( صفوة التفاسير للصابوني ) .
فأقر الأنبياء بذلك كما ذكرت الآيات الكريمة ، لكنه كان إقرارا بالغيب ، فهم لم يروا محمد صلى الله عليه وسلم رأي العين ، ولما بعثه الله تعالى نبيا ورسولا ، أحضر الله تعالى إليه الأنبياء جميعا ليقروا شاهدين بما أقروا به غيبا من قبل ؛ فصلوا خلف الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم بعد أن رأوه جميعا ، وسلموا عليه جميعا.
أما لماذا كانت الصلاة في المسجد الأقصى دون غيره من المساجد ، فلأنه كان مِلْكاً لبني إسرائيل بسبب حملهم رسالة الله في الأرض كما ورد في سورة المائدة : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (20) يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (21)} .
قال البيضاوي: "هي أرض بيت المقدس سميت بذلك لأنها كانت قرار الأنبياء ومسكن المؤمنين ومعنى {الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ} أي التي وَعَدَكُمُوها على لسان أبيكم إسرائيل وقضى أن تكون لكم" ( صفوة التفاسير) .
فلما تخلى بنو إسرائيل عن الرسالة ، لعنهم الله تعالى كما ورد في الآية 78 من سورة المائدة : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ } .
ولأنهم ظلموا أنفسهم بخيانة عهد الله تعالى مثلما ورد في الآية رقم 124من سورة البقرة :{ وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ } فقد انتقلت ملكية المسجد للنبي الخاتم ، الذي كان من ذرية إسماعيل ، وهو الفرع الثاني من أبناء إبراهيم عليه السلام .
وهذا ما جعل المسلمين حريصين على فتح المسجد الأقصى ، تنفيذا لعهد الله تعالى أنَّ المسجدَ لمن يحمل رسالته .
ولهذا كانت القدس هي المدينة الوحيدة التي ذهب الخليفة عمر رضي الله عنه لاستلام مفتاحها بنفسه ، بينما كان قواده يستلمون مفتاح كل مدينة يفتحونها .
إذن حرص المسلمين على القدس ليس قاصرا فقط على الأسباب التي وردت في بداية المقال ، وإن كانت أسبابا وجيهة ، ولكن ينبع من كونها مدينة مرتبطة بالإسلام ، ومرتبطة بعهد الله تعالى لهذه الأمة .
فالقدسُ ميراثُ النبوة .
وميراثُ النبوة مِلْكٌ لأتباع الأنبياء .
والأنبياء قد أقروا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم .
وحين يفرط أتباع محمد في القدس ، فهذا يعني خيانة المسلمين لأمانة النبي ، والتخلي عن ميراثه .
فهل يفعل المسلمون ذلك ؟ !
هل يتخلون عن أمانتهم ؟ !
لا أظن أن مسلما يفعل ذلك .
ولا أظن أن مسلما يبخل بنفسه أو بما يملك في سبيل تحرير الأقصى الشريف .
وإن كان بعض حكامهم قد خان ، وبعضهم قد باع ، وبعضهم قد آثر الكرسي الزائل ، إلا أن قلوب المسلمين – وفي مقدمتهم العرب - تنبض بحب دينها ، وبحب أقصاها .
يوما ما - وأحسبه قريبا - ستنهار قلاع الطغيان الذي بلغ ذروته ، وستزول معه العقبات التي تحول بين جموع المسلمين وبين تحرير مقدساتها ، فدوام الحال من المحال .
لكل شيء إذا ما تمَّ نقصانُ *** فلا يُغَرُّ بطيبِ العيشِ إنسانُ
هي الأمورُ كما شاهدتُها دُوَلٌ *** من سرَّه زمنٌ ساءته أزمـانُ