مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
مقال تحليلي بعنوان `مصر على أعتاب إنقلاب آخر محتمل`
29-01-2018 11:17


 "مصر على أعتاب  إنقلاب آخر محتمل" للكاتب محمد عويس. 

يثور الآن على الساحة المصرية الحديث عما يسمى انتخابات الرئاسة المصرية، المزمعة في مارس/آذار 2018.

ولعل أبرز ما يتم تداوله الآن، بحسب المراقب للمشهد الحالي، هو الكلام عن ترشح ثم استبعاد رئيس الأركان الأسبق سامي عنان، ومن قبله الفريق شفيق، وانسحاب المرشح المدني خالد علي، وإخلاء الساحة أمام الرئيس الأوحد في سباق الانتخابات المزعومة، وكذلك الكلام عما ستفعله جماعة الإخوان المسلمين والقوى الوطنية الأخرى المناهضة للانقلاب لاستثمار هذا الحدث والاستفادة منه!

* الحالة الانتخابية في مصر
تم فرض عدة سيناريوهات في السابق، اعتمد بعضها على تحليلات غير دقيقة وافترضت أن ما يحدث ما هو إلا "اتفاق" بين السيسي وعنان، على نحو يمثل فيه الأخير حلقة من مسلسل العسكر، وأنه في الحقيقة وجه آخر للعملة نفسها، التي تم الكشف عن حقيقتها للعيان خلال السنوات الأخيرة الماضية للجميع، وأصبح ليس لها قيمة أو قبول لدى الشعب المصري.


وافترض أيضاً أن ترشح عنان كان بمثابة كونه (كومبارساً) لإعطاء شرعية للسيسي في الاستحقاق الانتخابي المزعوم، لاستكمال الأخير تنفيذ خريطة الغرب وإسرائيل في المنطقة.

جاء سيناريو آخر أقرب إلى الواقع، ليفترض أن ما عزم به عنان على ترشيح نفسه في مواجهة السيسي، جاء ليمثل الجناح الآخر للمؤسسة العسكرية، وأن هذا الجناح غير راضٍ عما وصلت إليه المؤسسة العسكرية ومصر بهذه الصورة، وخاصة أمام الظهير الشعبي الداخلي لها.

وفسر هذا السيناريو أن ما أقدم عليه عنان يعتبر "خطوة جريئة" في مواجهة السيسي؛ لاعتماده على دعم المعارضين له من رجالات نظام مبارك "الدولة العميقة"، وبعض رجالات الجيش، وأنصار الفريق أحمد شفيق، أو غيرهم ممن باعه السيسي وضحى به.

لكن تبقى حقيقة واحدة دامغة تمثلت في أن الجميع مشتركون في عدائهم للتيار الاسلام السياسي، وعلى رأسهم عودة "الإخوان المسلمين" مرة أخرى لحكم مصر، ومشتركون أيضاً في محاربة كل ما يتصل بثورات الربيع العربي، وكذلك الأمر بتمييع القضية الفلسطينية.

* الانقسام حقيقة مؤكَّدة
ويؤكد ما قام به السيسي من خطوات استباقية تصعيدية لعرقلة ترشح الفريقين عنان وشفيق وإزاحتهما من المشهد الانتخابي، مستخدماً معهما سياسة الاستبعاد الجبري، مثّل للجميع وضوحاً للرؤية داخل أروقة المؤسسة العسكرية المصرية، وأحالتنا جميعاً إلى حقيقة واحدة حتمية مؤكدة؛ وهي "الانقسام" داخل تلك المؤسسة.


* أسباب الانقلاب المحتمل
فالمراقب للمشهد الحالي في مصر يرى أن بعض رجالات الجيش، على الرغم من فسادهم وممارساتهم ضد الشعب فإن فيهم ممتعضين من الممارسات التي تجري بحق التفريط في أرض مصر بسهولة منقطعة النظير؛ من التنازل عن جزر كاملة -تيران وصنافير- ودون وجه حق للمملكة السعودية، والتنازل عن غيرها من الثروات لدول أخرى، وما يحدث من استنزاف شبه يومي لرجال الجيش في شبه جزيرة سيناء، ومحاولة اغتيال وزيري الدفاع صدقي صبحي والداخلية مجدي عبد الغفار بسيناء في سبتمبر/أيلول 2017، الأمر الذي أثار الكثير من الشكوك حول الحادث داخل منظومة الانقلاب في مصر، وما يجري الحديث عنه الآن من التنازل عن سيناء لتكون وطناً بديلاً للفلسطينيين... إلخ.


كل هذه الأسباب وغيرها كفيلة بوجود معارضين داخل منظومة الانقلاب العسكري غير راضين عن تلك الممارسات التي تمس عقيدة الجيش أو التفريط في أرض مصر.

ولعل أبرز الأسباب الداعية لإحداث انقلاب محتمل في مصر، تلك الاستفزازات المتكررة وغير المسبوقة لعقيدة الجيش المصري من السيسي على مدار السنوات الأربع الماضية، والتي أصبح الوضع معها لا يمكن أبداً السكوت عن تبريره وتمريره بأي حال من الأحوال دون مجابهة.

وفي ظل وضوح الرؤية للمشهد الحالي واستبعاد ممن ينتسبون إلى المؤسسة العسكرية من سباق الرئاسة بهذه الطريقة المشينة، بات هناك تيقن بوجود تصارع أجنحة حقيقي داخل الجيش، كشفت عنه الانتخابات الجارية.

بيد أن إقالة السيسي بعض رجالات الجيش أو من المؤسسات الحساسة في الدولة، قد يكون ضمن هذه التحركات التي تجري منذ فترة، وبصورة يخشى معها الغرب عدم السيطرة عليها في المستقبل أو عدم احتوائها.

يسوقنا هذا الانقسام داخل المؤسسة العسكرية إلى مشهد آخر أكثر دراماتيكية، ينتج عنه تحركات داخلية تسير على خطى السيسي لإحداث "انقلاب" عسكري داخلي، وهذا ما يخشاه.

فالذين يخشون من حدوث مثل هذا المشهد في مصر هم الغرب والكيان الصهيوني؛ لأنه -وبكل بساطة- إذا ما حدث المتخوَّف منه وكان خارجاً عن إرادتهم، فستكون فاتورته مكلِّفة للجميع ويهدد معه أمن إسرائيل. أما في حال كان هذا الانقلاب من خلالهم كسابقه، فالأمور في هذه الحالة سيكون لها وضع آخر.

وقد اعتقد البعض، ضمن هذه السيناريوهات، أن وجود عنان في هذه المرحلة جاء بمطلب غربي؛ لأهداف معينة خلال المرحلة القادمة، منها:

- تحسين صورة العسكر أمام الشعب، وإعادة مصدقيته بعد أن جعلتها ممارسات السيسي في أقبح صورة لها.

- محاولة تهدئة الأوضاع والصراعات على المستوى الإقليمي في المنطقة، والحيلولة دون وقوع انفجار، وخاصة داخل المؤسسة العسكرية والذي قد يحمل معه تهديدات لا يحمد عقباها، بحسب أن فاتورة هذا الانفجار داخل تلك المؤسسة ستُلحق الضرر الأكبر بأمن إسرائيل.

- وحتى لا يحدث تصادم، سيتم عمل تفاهمات تضمن الخروج الآمن للسيسي ونظامه دون محاسبة عن أي انتهاكات سابقة، والإبقاء بقدر الإمكان على بعض الاتفاقيات التي أبرمها سابقاً.

وعلى ذلك، فإنه يتضح مما سبق أن السيسي يدرك أن عدم وجوده على الكرسي يعني اغتياله المحقق؛ لذا فهو يُعَدّ طوق نجاة بالنسبة له، وسيمارس أبشع صور الإقصاء في سبيل ذلك الكرسي.

* النتيجة محسومة للرئيس الأوحد
لقد عمد السيسي إلى أن يكون هو "الرئيس الأوحد"، وبدأ في تنفيذ ذلك بإزاحة كل من يقف في طريقة للوصول للكرسي حتى ممن ينتمون إلى المؤسسة نفسها التي جاء منها على دبابة وبماركتها ليحدث انقلاب يوليو/تموز 2013 على أول تجربة ديمقراطية في مصر.


عقدة السيسي الذي يرى في نفسه أنه الرئيس الأوحد، جعلته يزيح أي مترشح، سواء كان مدنياً أوعسكرياً، من أمامه، اللهم إلا المرشح (الكومبارس) الذي سيضفي عليه شيئاً من الشرعية الكاذبة.

* الإخوان بين الانتخابات والثوابت
فجماعة الإخوان المسلمين تدرك أن ما يحدث من وراء هذه الانتخابات المزعومة ما هو إلا تمرير متعمَّد لفرض أمر واقع بقصد شرعنة أنظمة عسكرية فاسدة.


الجماعة كغيرها -بل هي أشد- تراقب ما يحدث في مصر من كثب، وتعلم أن السيسي لا يعوِّل على الداخل، وأنه يخشى من حدوث انقلاب مماثل، ويتعامل مع الخارج بتقديم التنازلات على حساب الشعب المصري؛ أملاً في دعمه لمواجهة مناوئيه في الداخل.

فالسيسي يمثل رمزاً لدى إسرائيل، وله شعبية هناك كبطل قومي عند البعض، وهو الذي صنع لهم ما لم يصنعه غيره، فليس من السهل أن تضحي به أو تفرط فيه بسهولة؛ بل ستدعمه بكل الوسائل في سبيل إبقائه؛ لاستكمال تنفيذ ما تسمى "صفقة القرن"، والذي اعتلى الكرسي خصيصاً لأجلها.

من جانبه، أقدمَ مسؤول العلاقات الدولية السابق لدى جماعة الإخوان المسلمين، الأستاذ يوسف ندا، على أن يبعث برسالة إلى الفريق سامي عنان، مصحوبةً بموافقة مشروطة من الجماعة على دعم الأخير في الرئاسة القادمة إذا هو وافق على ستة شروط، والذي عبّر خلالها بأنها خاصة وغير رسمية وغير ملزمة للجماعة.

وأقول: وحتى وإن كانت الرسالة غير رسمية، فإنها تعبر عن شريحة داخل الصف موافقة على هذا الطرح؛ أملاً منها في حلحلة وانفراج الأزمة المتفاقمة في مصر منذ أكثر من 4 سنوات ونيف.

كما يوجد على الجانب الآخر شريحة واسعة داخل الجماعة، ترفض هذا الطرح رفضاً باتاً، وتعلل بأنها لا تقبل بمطية العسكر مرة أخرى، وتبرهن على أنهم هم من أوصلوا البلاد إلى ما وصلت إليه، وغير جادين في الحل، وأن من يحق له الرجوع في ذلك هو الرئيس محمد مرسي وحده دون غيره.

تناوَل المراقبون للمشهد الحالي الرسالة بالكثير من التحليلات وما جاء فيها، كما تناولوا ردَّ الجماعة الرسمي على لسان الأستاذ إبراهيم منير، نائب المرشد، الذي أكد أن رسالة ندا شخصية وليست لها علاقة بالإخوان، وأن الجماعة لم تتخذ موقفاً حتى الآن مما يسمى الانتخابات الرئاسية في مصر. ورداً على سؤال، ذكر منير أن الأقرب للحوار والتعاون هو المرشح المدني، في إشارة إلى المرشح "خالد علي".

وبغض النظر عن تحليل ردود الأستاذ منير على رسالة ندا، إلا أن استبعاد عنان المرشح العسكري، وانسحاب علي المرشح المدني، عقَّدا الأمور لحلحلة الأزمة، وفي الوقت نفسه أصبح السيسي وحيداً عارياً، لكنه لن يعدم وجود كومبارس، والعمل جارٍ على ذلك.

فما تمتلكه الجماعة الآن، هو الرجوع إلى النقطة المركزية بالتعويل على المقاومة السلمية والحراك الشعبي بإحياء ثورة يناير/كانون الثاني من جديد، والعودة إلى الاصطفاف الوطني بعيداً عن الأيديولوجيات لكسر هذا الانقلاب.

فالجماعة تحاول من حين لآخر إحداث حالة نجاح مع الشركاء في التعاون معاً بما لا يتعارض مع ثوابتها، ومن فترة لأخرى تبادر إلى عمل لقاءات موسعة مع الطيف الوطني وطرح مبادرات لتقريب وجهات النظر؛ لأجل التركيز على الثوابت لكسر الانقلاب العسكري، والمحافظة على مكتسبات ثورة يناير، ومحاسبة كل من تورط في الدماء... إلخ.

إلا أنه يضاف إلى أوراق القوة لكسر الانقلاب، وجود ورقة جديدة تتمثل في وجود حالة غير عادية داخل المؤسسة العسكرية تعتريها السرية، لكن الخوف يكمن في أن تزيح هذه الحركة عسكرياً وتاتي بآخر، دون النظر إلى تصحيح المسار الحالي والعودة إلى المسار الديمقراطي الشرعي.