مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
بديع الزمان سعيد النَّوْرسي 1
مع فجر أحد أيام سنة (1293هـ/1873م)، وفي أحضان جبال كردستان، وتحديداً في قرية نورس إحدى قرى قضاء خيزان التابعة لولاية بدليس
22-03-2012 14:45

ولد الطفل سعيد.. كان والده مِيرْزا يعرف بالصوفي، وكان يُضرب به المثل في التقى والورع، إنه كان حريصاً على ألا يذوق طعاماً حراماً قطّ، وألا يطعم أولاده من غير الحلال، وكان إذا عاد بمواشيه من المرعى شدّ أفواهها لئلا تأكل من مزارع الآخرين، وكذلك كانت نُوريّة والدة سعيد، إنها ما كانت ترضع أطفالها إلا وهي على طهر ووضوء.
عاش سعيد في أحضان تلك الأسرة التقية، وكانت تضم خمسة أبناء وابنتين، وظهرت عليه تباشير الذكاء منذ صغره، إذ كان دائم السؤال والاستطلاع، ولم تكن كردستان حينذاك خالية من العلماء، إنها كانت، منذ أيام الدولة الدُّوستكية (المروانية)، تحظى بالعديد من العلماء المشاهير، وتلقّى سعيد تعليمه الأول في كتّاب قرية (طاغ) على يد الشيخ محمد أفندي سنة (1882 م)، إلى جانب الدروس التي كان يتلقاها على أخيه الكبير الملاّ عبد الله.
وفي سنة (1888 م) توّجه سعيد إلى بدليس، والتحق بمدرسة الشيخ أمين أفندي، ثم تنقّل بين عدة مدارس أخرى، حتى انتهى به المطاف إلى مدرسة في قضاء بايزيد التابع لولاية آگري.
وفي هذه المدرسة بدأ سعيد دراساته الدينية الأساسية، فقد كانت جهوده منصبّة قبل ذلك على علوم اللغة من نحو وصرف. وفي هذه المدرسة، وتحت رعاية الشيخ محمد جلالي، أمضى ثلاثة أشهر، وهو منكبّ على الدراسة الجادة للمناهج التي كانت تدرَّس آنذاك، إنه كان يقرأ من متون أصعب الكتب مئتي صفحة في اليوم الواحد، ويفهمها دون الرجوع إلى الهوامش، كما أنه كان ينقطع عن العالم معظم أوقاته، وبخاصة في الليالي، ويلازم ضريح أمير شعراء الكرد أحـمد خاني، صاحب الملحمة التراجيدية (مَمْ وزين)، ويستمر في القراءة على أضواء الشموع.
وبعد انتهاء الأشهر الثلاثة حصل على الإجازة العلمية من الشيخ جلالي.
وفي سنة (1889 م) انتقل سعيد إلى بدليس، ثم إلى مدينة شيروان، ومنها إلى سِعَرْد (سِيرتْ )، يلتقي بالعلماء ويأخذ عنهم، وفي سعرد ذهب إلى مدرسة العالم الشهير فتح الله أفندي، وقد اختبره هذا العالم في أمهات الكتب، وقال له:
" حسناً، إن ذكاءك خارق، ولكن دعنا نرَ قوة حفظك، فهل تستطيع أن تقرأ بضعة أسطر من هذا الكتاب مرتين وتحفظها "؟
وقدّم العالم لسعيد كتاب (مقامات الحريري)، وهي مقامات عربية قائمة على السجع، وزاخرة بالألفاظ الغريبة، فأخذ سعيد الكتاب، وقرأ صفحة واحدة منه مرة واحدة، وإذا بها كانت كافية لأن يحفظها، فذَهِل العالم فتح الله أفندي وقال:
"إن اجتماع الذكاء الخارق مع القوة الخارقة للحفظ شيء نادر جداً".
وما لبث أن انتشرت شهرة سعيد في المجتمع الكردي، فأقبل عليه علماء سعرد يجادلونه، ويحاولون إحراجه بأسئلتهم، لكنه أفحمهم جميعاً، فأطلقوا عليه لقب سعيدى مشهور (سعيد المشهور)، وظل سعيد ينتقل من مدينة إلى أخـرى، ينهل من منابع العلم، ويطّلع على أمّهات الكتب فهماً وحفظاً، ويعمّق مطالعاته في مجالات المنطق وعلم الكلام، والنحو والتفسير، والحديث والفقه.
والحقيقة أن مطالعات سعيد لم تقتصر على هذه العلوم النظرية، بل انكبّ على العلوم الأخرى مثل الرياضيات، والفلك، والكيمياء، والفيزياء، والجغرافيا، والجيولوجيا، والفلسفة، والتاريخ، فأتقنها جميعها، إلى درجة أنه كان قادراً على التأليف في موضوعاتها، ومناقشة المختصين فيها، ونظراً لتعدّد مواهبه، ولذكائه الخارق، أطلق عليه الناس لقباً جديداً هو (بديع الزمان)، وكان حينذاك في وان سنة (1894 م).


نحو إستانبول
وبعد فترة توجّه النورسي إلى العاصمة العثمانية إستانبول، محاولاً إقناع المسؤولين بإنشاء جامعة إسلامية باسم (مدرسة الزهراء) في شرقي الأناضول، شبيهة بالجامع الأزهر، لخدمة علوم الدين، لكن جهوده ذهبت عبثاً، فرجع ثانية إلى مدينة وان.
وفي سنة (1907 م) رجع إلى إستانبول مرة أخرى، وعلّق على باب غرفته لوحة كتب فيها: " هنا يجاب عن كل سؤال، وتحل كل مشكلة ". وكان الإعلان غريباً، ويذكر حسن فهمي باش أوغلو، وكان أحد طلبة العلم آنذاك، أن الطلبة والأساتذة فوجئوا بهذا الإعلان، ويقول موضّحاً:
" وقد قررت أن أختار أعقد الأسئلة وأدقّها لأسأله، وكنت آنذاك أُعتبر مــن المتفوقين، فاخترت من الكتب التي تبحث في الإلهيات بعض الموضوعات المعـقّدة التي لا يمكن الإجابة عنها إلا بمجلّدات من الكتب، وذهبت في اليوم التالي لزيارته، ووجّهت الأسئلة إليه، فكانت أجوبته عجيبة وخارقة، إذ أجابني وكأنه كان معي بالأمس ينظر في تلك الكتب، فتأكد لي أن علمه ليس كسبياً كعلمنا، بل هو علم لدنّى ".
وفي إستانبول تقدّم النورسي بعريضة إلى السلطان عبد الحميد الثاني يطلب فيها فتح المدارس التي تعلّم العلوم الرياضية والفيزياء والكيمياء وغيرها، إلى جانب المدارس الدينية في شرقي الأناضول حيث موطن الكرد، وحيث يخيّم الجهل والفقر. ثم قابل السلطان وانتقد الاستبداد ونظام الأمن لقصر يِلُدز (النجمة)، فنقمت عليه حاشية السلطان، وأحالوه إلى محكمة عسكرية، واتُّهم بضعف قواه العقلية، ولما سقطت الاتهامات حاول وزير الداخلية إرضاءه بالمال لينصرف عن أهدافه، لكن النورسي رفض ذلك بقوة.
وانتقل النورسي إلى سالونيك، وتعرّف هناك كبارَ شخصيات حزب الاتحاد والترقّي، وحاول هؤلاء أن يجعلوه تابعاً لهم، لكنهم لم يفلحوا. وفي سالونيك قابله اليهودي الشهير عمانوئيل قَرَه صُو رئيس المحفل الماسوني، وعضو مجلس المبعوثان (النواب) العثماني، وذلك طمعاً في التأثير على النورسي وجرّه إلى صفه الماسوني، ولكن ما لبث أن خرج عمانوئيل من عنده قائلاً: " لقد كاد هذا الرجل العجيب أن يزجنّي بحديثه في الإسلام ".


فليعش الجنون
وكان نفوذ جمعية الاتحاد والترقي الماسونية يتزايد يوماً بعد يوم، فسيطرت على مقاليد السلطة في الدولة العثمانية، وأشاعت جوّاً من الإرهاب في المجتمع، وسرّحت الضباط القدامى، واكتفت بالضباط الذين ينهجون نهجها، ونتيجة لذلك نشب عصيان قام به عناصر الطابور العسكري الذي أرسله الاتحاديون من سالونيك لحماية السلطة، وانضم إليهم الجنود من معسكرات أخرى، وسادت الاضطرابات وإطلاق الرصاص، وكان الجنود يهتفون: " نريد الشريعة ! نريد الشريعة " !
واستطاع الاتحاديون السيطرة على الموقف، وعزلوا السلطان عبد الحميد في (27 نيسان 1909م)، وأعلنوا الأحكام العرفية، وشكّلوا محاكم عسكرية لمحاكمة المسؤولين عن العصيان، وكان النورسي من جملة المتهمين، وكان يكتب في جريدة وُولْقان (البركان) التي نشرت له مقالات عنيفة ضد الاتحاديين، وفي قاعة المحكمة - ومنظر جثث خمسة عشر من المشنوقين تظهر عبر النافذة- بدأ الحاكم العسكري خورشيد باشا بمحاكمة النورسي، قائلاً له:
" وأنت أيضاً تدعو إلى تطبيق الشريعة؟! من يطالب بها يُشنق هكذا (مشيراً بيده إلى المشنوقين).
فقام النورسي، وألقى على سمع الحاكم خطبة شجاعة، جاء فيها: " إنني متهيّئ بشوق لقدومي على الآخرة ... وأنا مستعدّ للذهاب مع هؤلاء الذين علّقوا على المشانق ... لقد كانت هذه الحكومة تخاصم العقل أيام الاستبداد، والآن هي تعادي الحياة، وإذا كانت هذه الحكومة هكذا، فليعش الجنون! وليعش الموت! وللظالمين جهنّم ".
ولم تجد المحكمة بداً من إصدار الحكم ببراءة النورسي.


لقد أهنت القيصر
بعد براءة النورسي غادر إستانبول إلى منطقة وان سنة (1910م)، وشرع يتجوّل بين القبائل الكردية، يعلّمهم أمور الدين، وينشر المعرفة، وهناك ألّف كتاب (المناظرات)، ثم زار دمشق، وألقى خطبة بالعربية في الجامع الأموي، ثم انتقل إلى بيروت فإستانبول، وسعى عند السلطان محمد رشاد لإحياء مشروعه الكبير (إنشاء جامعة الزهراء) في شرقي الأناضول، ووعده السلطان بذلك، لكن أحداث الحرب العالمية الأولى قضت على المشروع.
وفي سنة (1912 م)، وقبيل نشوب حرب البلقان، عُيّن النورسي قائداً للقوات الفدائية التي تشكّلت من المتطوعين الكرد في شرقي الأناضول، وتم تعيينه أيضاً في مؤسسة (تشكيلات خاصة)، وهي مؤسـسة سياسية وعسكرية وأمنية سرية، شُكلّت بأمر السلطان، وكانت وظيفتها المحافظة على وحدة أراضي الدولة ومحاربة أعدائها، وقامت هيئة علماء الدين في هذه المؤسسة، ومنهم النورسي، بإصدار (فتوى للجهاد).
وبعد المشاركة في إصدار (فتوى الجهاد) رجع النورسي إلى مدينة وان، وأنشأ من طلابه ومن المتطوعين المدنيين، وغالبيتهم من الكرد، فرقًاً للجهاد، وبدؤوا بالتدريب على القتال. وقد خاطب طلابه قائلاً: " تهيؤوا واستعدوا ... إن زلزالاً شديداً أوشك على الأبواب ".
وكانت معارك ضارية تجري حينذاك في جبهة القفقاس بين الجيش العثماني والجيش الروسي، وحاولت القوات الروسية الاندفاع نحو الأناضول، واستطاعت دخول أرضروم في 16 شباط/ فبراير سنة (1916 م)، وكان النورسي وطـلابه يقاتلون الجيش الروسي ببسالة، وفي خنادق القتال ألّف كتاب (إشارات الإعجاز في مظانّ الإيجاز) باللغة العربية.
وعندما دخل الجيش الروسي مدينة بدليس كان النورسي وطلابه يدافعون عن المدينة ببسالة نادرة، وجرى قتال شديد في الشوارع، لكن كان عدد القوات الروسية أضعاف عدد المدافعين، وأصيب النورسي بجرح بليغ في ميادين القتال، وسقط في بركة ماء تحت جسر مع أحد طلابه، وهو ينزف، فأسره الروس، وأرسلوه إلى أحد معسكرات الأسرى في كوسترما بشمال شرقي روسيا.
وهناك قُدّم النورسي ذات يوم إلى المحكمة الحربية، بتهمة إهانة القيصر والجيش الروسي، والسبب في ذلك أن خال القيصر نيكولا نيكولافيج كان القائد العام للجبهة الروسية، وفي زيارته للأسرى، قام الجميع لأداء التحية عدا النورسي، ولاحظ القائد العام ذلك، فرجع ومرّ ثانية أمامه، فلم يقم له النورسي، وفي المرة الثالثة وقف القائد أمامه، وجرى الحوار التالي بينهما بوساطة مترجم:
- يبدو أنك لم تعرفني!
- لا، لقد عرفتك. إنك نيكولا نيكولافيج خال القيصر، والقائد العام في جبهة القفقاس.
- إذاً لماذا تستهين بي؟!
- كلا. إنني لم أستهن بك، وإنما فعلت ما تأمرني به عقيدتي.
- وبماذا تأمرك عقيدتك؟!
- إنني عالم مسلم، أحمل في قلبي إيماناً، ومن يحمل في قلبه إيماناً أفضل ممن لا إيمان له، ولو أنني قمت لك لكنت إذاً قليل الاحترام لعقيدتي ومقدساتي، لذلك فإنني لم أقم لك.
- إذاً فإنك بإطلاقك عليّ صفة عدم الإيمان تكون قد أهنتني، وأهنت جيشي وأمتي والقيصر كذلك، فيجب تشكيل محكمة عسكرية للنظر في هذا الأمر.
وتشكلت المحكمة العسكرية، وقُدّم إليها النورسي بتهمة إهانة القيصر والأمة الروسية والجيش الروسي، وساد الحزن في معسكر الأسرى، وحاول الضباط الأتراك والألمان والنمساويون حمله على الاعتذار للقائد الروسي، وطلب العفو. لكن النورسي ردّ بحزم: " أنا لا أستطيع أن أعمل بما يخالف إيماني".
وأصدرت المحكمة قرارها بالإعدام.
وفي يوم التنفيذ حضرت مجموعة من الجنود، على رأسها ضابط روسي، لأخذه إلى ساحة الإعدام، وقام النورسي من مكانه بابتهاج قائلاً للضابط الروسي: " أرجو أن تسمح لي قليلاً لأؤدّي واجبي الأخير".
ثم قام فتوضأ وصلّى ركعتين.
وهنا دخل القائد العام، وقال للنورسي بعد فراغه من الصلاة: " أرجو المعذرة. كنت أظن أنك قصدت إهانتي، لكنني واثق الآن أنك كنت تنفّذ ما تأمرك به عقيدتك، لذا فقد أبطلت قرار المحكمة، وإني أهنئك على صلابتك في عقيدتك، وأرجو المعذرة مرة أخرى ".
وظل النورسي في الأسر سنتين وأربعة أشهر، ثم استطاع الهرب خلال الفوضى التي حدثت في روسيا نتيجة الثورة البلشفية (الشيوعية)، وتمكن من الوصول إلى ألمانيا، ثم إلى إستانبول بفضل العناية الإلهية.


وزّع كتبي مجانا
بعد وصول النورسي إلى إستانبول، وفي 13 آب/أغسطس (1918م)، عُيّن عضواً في (دار الحكمة) تقديراً له، وكانت عضوية الدار لا تُمنح إلا للعلماء البارزين والشخصيات المرموقة، وكانت الدولة قد خصصت له راتباً، لكنه لم يأخذ من الراتب سوى ما يكفيه للعيش البسيط. ولنقرأ الرسالة التي بعث بها ابن أخيه (عبد الرحمن) إلى عمه عبد المجيد: " إني محتار في أحوال عمي سعيد، ... فالحكومة تعطيه راتباً جيداً، وأنا أقوم بادّخار ما يفضل عن مصاريفنا، وقد ألّف كتباً عدة، واستدعاني مرة قائلاً: اذهب واستدع مدير المطبعة الفلانية. فذهبت، وعندما قدّم مؤلفاته إلى المدير قال لي: يا عبد الرحمن! هات ما ادّخرته من نقود، وادفعها للسيد المدير، فنفّذت له ما أراد، وعندما ذهب المدير امتلأت عيناي بالدموع. لكني عزّيتُ نفسي قائلاً: هذه الكتب ستُطبع وستباع، وإن النقود سترجع وسأدّخرها. لكن بعد عدة أيام أرسلني مرة أخرى لاستدعاء المدير. وفي هذه المرة قال له: أرجو أن تكتب على كتبي بأنها توزَّع مجّاناً.
وعندما خرج المدير لم أتمالك نفسي عن البكاء، فقلت له:
ـ يا عمي! كنت أدّخر بعض النقود لكي أقوم بتعمير بيتنا الذي خرّبته الحرب، والآن فقد قتلت ذلك الأمل، أيجوز ذلك؟!
وابتسم عمي قائلاً لي:
ـ يا بنيّ .. يا عبد الرحمن! إن الحكومة تعطينا راتباً كبيراً، وليس لي أن آخذ منه إلا كفاف العيش، أما ما زاد على ذاك فيجب إعادته إلى بيت المال، لذلك فإنني قمت بإعادته...، ولا أعتقد أنك ستفهم هذا، ولكن اعلم بأن الله- إن شاء- سيعطيك بيتاً في أي مكان من هذا الوطن الحبيب