مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية
جمعة أمين فقيد المهاجرين و الإخوان المسلمين/حسن الخليفة عثمان
26-01-2015 10:56


"وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ" (النحل41)
جاء في تفسير القرطبي باختصار منا:
(وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا) معنى الهجرة هي تَرْكُ الْأَوْطَانِ وَالْأَهْلِ وَالْقُرَابَةِ فِي اللَّهِ أَوْ فِي دِينِ اللَّهِ، وَتَرْكُ السَّيِّئَاتِ. وَقِيلَ:" فِي" بِمَعْنَى اللَّامِ، أَيْ لِلَّهِ. مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا أَيْ عُذِّبُوا فِي اللَّهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمُرَادُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ظَلَمَهُمُ الْمُشْرِكُونَ بِمَكَّةَ وَأَخْرَجُوهُمْ حَتَّى لَحِقَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بِالْحَبَشَةِ، ثُمَّ بَوَّأَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى دَارَ الْهِجْرَةِ وَجَعَلَ لَهُمْ أَنْصَارًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. وَالْآيَةُ تَعُمُّ الْجَمِيعَ.
(لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) فِي الْحَسَنَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ منها:النَّصْرُ عَلَى عَدُوِّهِمْ، قَالَهُ الضَّحَّاكُ , و لِسَانُ صِدْقٍ، حَكَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ, ومَا بَقِيَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنَ الثَّنَاءِ، وَمَا صَارَ فِيهَا لِأَوْلَادِهِمْ مِنَ الشَّرَفِ. وَكُلُّ ذَلِكَ اجْتَمَعَ لَهُمْ بِفَضْلِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ إِذَا دَفَعَ إِلَى الْمُهَاجِرِينَ الْعَطَاءَ قَالَ: هَذَا مَا وَعَدَكُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَمَا ادَّخَرَ لَكُمْ فِي الْآخِرَةِ أكثر، ثم تلا عليهم الآية" انتهى كلام القرطبي رحمه الله.
لماذا نكتب هذه الكلمات,التي قد تبدو من نوافل الكلم عند البعض, و من واجباته عند الآخرين, لاسيما أن الحقوق تتفاوت فيما بينها وجوباً و ندباً, حسب الأحوال و القدرة, و التي كثيراً ما ترتبط بالزمان و المكان,و قد شاء الله أن نكون فيما كان فيه الراحل-رحمه الله
- من حال غربة و هجرة و سفر,نأمل و نرجو من الذي لم يخب من وقف على بابه, و لم يضل من سعى إليه,أن يجعل أعمارنا و أعمالنا كلها خالصة لوجهه الكريم عز و جل.


إنني إذ أنعي إلى الأمة الإسلامية الشيخ و الأستاذ (جمعة أمين)- رحمه الله- فلست أنعي ذلك الرجل صاحب المؤلفات و العلم الغزير,أو المربّي الذي ربّى أجيالاً بفعاله و لسانه, و بنفسه و ماله, فكم بذل من عمره و دهره في سجون الطغاة المستبدين و معتقلاتهم, و كم كان له من مواعظ و دروس ,و سلوكٍ حسنٍ كان أبرزها الزهد و العزوف عن الظهور و تصدر الشاشات ,و كم أنشأ من مدارس و أشرف عليها و على إدارتها حتى وافته المنية و هو على ذلك, و إنما أنعى رمزاً و علماً من أعلام و رموز الرعيل الأول, الذين استضاءت الدنيا ببركة جهادهم و صبرهم ,و ما تحمّلوا من لأواء و عنت ,و أوجدوا في الظلام طريقاً منيراً اهتدى السائرون بهديه ,و آب الآيبون بزاد فضله ,ففاء من فاء إلى فطرة ربه, التي لطالما حيل بينهم و بينها عقودَ عدداً.
فاضت روح الشيخ و الأستاذ في غربته في لندن ,و من قبله فاضت روح أخيه الداعية الشيخ ( محمد مختار المقرئ)-رحمه الله- لتمضي قافلة الدعاة الأخيار الذين يقدمون أنفسهم و أعمارهم قبل أن يقدموا كتبهم و كلماتهم بذلاً و عطاءً لما أشرق في قلوبهم من ضياء,ملأ الدنيا عبقاً و أريجاً ,و دعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة و حب الخير للناس جميعا.
سافروا إلى الله بقلوبهم قبل أن يسافروا إليه بأبدانهم إنهم قوم رحلوا عن الدنيا بأبدانهم وعاشوا فيها بعظيم آثارهم.