مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية

الإسلام وحفظ المال

10-07-2012 11:28

 

بسم الله الرحمن الرحيم
مقاصد الشريعة هي: "حفظ الدين والنفس والنسل والعقل والمال".
والمراد بمقاصد الشريعة: الأمور التي قرر الشارع الأحكام لتحقيقها، فالناظر في أحكام الشرع يجدها كلها تصب في تحقيق هذه المقاصد (من ضروريات وحاجات وكماليات)، ويجد أن المال هو المقصد الخامس من هذه المقاصد، والمال المراد حفظه هو المال المحترم المعتد به سواء أكان مالا عاما أم خاصا، وراد حفظ كل مال من كل عدوان واستخدام له في غير محله، ولذلك شرع الحق سبحانه وتعالى كثيرا من الأحكام في إطار الإيجاب أو السلب (الأمر والنهي، أو الفعل والكف) من أجل تحقيق هذا المقصد، والناظر في وسائل حفظ المال أو الأحكام التي شرعت لتحقيق هذا المقصد يجدها تهدف إلى حماية المال من الأيدي العادية أيا كانت هذه الأيدي وأيا كان هذا العدوان، لذلك جاءت الأحكام بـ:
1. حفظ المال العام من أيدي القائمين عليه.
2. حفظ المال العام من أيدي العامة (غير القائمين عليه)
3. حفظ المال الخاص من أيدي أصحابه (ملاكه)
4. حفظ المال الخاص من أيدي الآخرين.
ولا شك أن هناك أمثلة في العناوين الكبيرة لأحكام المال تدل بوضوح على كل نوع من هذه الأنواع، فتحريم الغلول هو لمنع اليد العاملة على المال العام من العبث فيه، وتحريم التبذير وهدر الأموال لحفظ المال الخاص من أيدي أهله، وتحريم السرقات والرشاوى لحماية كل من المالين العام والخاص من أيدي الآخرين.
وفي هذه المقالة القصيرة سوف أشير إلى مسألة حفظ المال العام من أيدي القائمين عليه.. فقد جعل الشارع للعامل في المال العام وفي مصالح الأمة راتبا محددا، ولم يطلق له العنان يتصرف في هذه ه الأموال كما يشاء، بل منع الشارع العامل من الهدية في الحالة التي يشعر فيها أن لموقعه وطبيعة عمله أثرا في تقديمها له.
فقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي حميد الساعدي رضي الله عنه أنه قال: استعمل رسول الله  رجلا على صدقات بني سليم يدعى ابن اللتبية، فلما جاء حاسبه، قال هذا مالكم وهذا هدية، فقال رسول الله : "فهلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى تأتيك هديتك إن كنت صادقا"، ثم خطبنا فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإني أستعمل الرجل منكم على العمل مما ولاني الله، فيأتي فيقول هذا مالكم وهذا هدية أهديت لي، أفلا جلس في بيت أبيه وأمه حتى تأتيه هديته، والله لا يأخذ أحد منكم شيئا بغير حقه إلا لقي الله يحمله يوم القيامة فلا أعرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر"، ثم رفع يده حتى رئي بياض إبطه يقول: "اللهم هل بلغت"، بصر عيني وسمع أذني.
وحذر الحق سبحانه من يقع بيده المال العام من أن يخفي منه شيئا أو يخص نفسه أو من حوله بشيء فوق حقه أو قبل صيرورته في ملكه الخاص، قال تعالى: "ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة" والغلول هو أخذ الإنسان من أموال الغنيمة قبل قسمتها (وهذا هو المعنى الخاص)، أما المعنى العام للغلول فهو الأخذ من الأموال العامة التي هي للمسلمين جميعهم أو لمجموعة منهم قبل تحديد الحقوق فيها.
وأخرج البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "خرجنا مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عام خيبر ولم نغنم ذهبا ولا فضة إلا الأموال والْمتاع، فأهدى رجل من بني الضُّبَيْبِ، يقال له: رفاعة بن زيد إلَى رسول الله صلى الله علَيه وسلم غلاما أسود، يقال لَه: (مدعم)، فوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى وادي الْقرى، حتى إذا كنا بها بينما (مدعم) يحط رحال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم "كلا والذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا"، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "شراك أو شراكان من نار".
وكذلك أخرج البخاري من حديث خولة الأنصارية رضي الله عنها أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن رجالا يتخوضون مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة"، ومعنى يتخوضون: يتصرفون به كما يحلو لهم.
كل هذه النصوص وغيرها في هذا الباب جعلت الصحابة رضي الله عنهم ومن تابعهم بإحسان من الصالحين يخافون من التصرف في المال العام ويحسبون ألف حساب لكل جزء منه مخافة الوقوع في المحذور، وفي هذا يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني أنزلت نفسي من مال الله عز وجل منزلة القائم على مال اليتيم، إن استغنيت استعففت وإن افتقرت أكلت بالمعروف".
ولعل هذا هو الذي دفع عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إلى أن يجرد أقاربه من كل العطاءات التي كانت أعطيت لهم في عهد من سبقوه من الخلفاء، ويحتمل في سبيل ذلك كثيرا من النقد والمعارضة بل المحاربة والتآمر حتى الاغتيال والتسميم.
وهو نفسه الذي دفعه رضي الله عنه أن يصدر القوانين المستمدة من النصوص والتي منع بها عماله وموظفيه من قبول الهدايا لأن فيها شبهة رشوة، ولأن ذلك مظنة إضاعة الحقوق العامة إضافة لما فيه من عدوان على الحقوق والأموال الخاصة.
بل منع عماله من التجارة مخافة أن تكون مواقعهم تدفع الناس إلى الشراء منهم أو الرضا بتحصيل الأمر منهم بثمن أكبر خوفا منهم أو طمعا في تحقيق أمر من المصالح الخاصة من خلال التعامل معهم، فيقول: "إن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية"، فهي مضرة بالرعايا بحمل أنفسهم على إعطائه أكثر خوفا، مفسدة للجباية بمجاملته من يعاملوه والتيسير لهم بغير حق.
فلزاما على كل من جعل الله تحت يده شيئا من أموال المسلمين أن يتقي الله سبحانه وتعالى أولا في نفسه فلا يرديها ويحدد النار مصيرا لها بالتخوض في هذه الأموال على غير الوجه الشرعي، ثم في الأمة فلا يضع حقا عاما في غير موضعه، ولا شك أنه في زماننا كثر التساهل في المال العام حتى من القائمين عليه، حيث أصبح يُرى كثير من الحكام وحتى القائمين على شؤون الأحزاب والجماعات الإسلامية أن لهم حق التصرف المطلق، فيعطون من يشاؤون ويمنعون من يشاؤون، ويتوسعون في إنفاق المال العام في غير موضعه، وربما منعوه عن بعض مواضعه، بل لا بد من أن التوسع في إنفاق المال في غير موضعه، يصرفه عن أن ينفق في موضعه، وذلك أن لكل مال في الشرع مصرف ومستحق، فإذا وضع في غير موضعه فلا بد أن ذلك على حساب منع بعض المستحقين لبعض حقوقهم.
ولا شك أن المسلمين والعمل الإسلامي يحتاج إلى كثير من التذاكر والتواصي في هذا المجال، لنرتقي به إلى مستوى المسؤولية بحدها الشرعي الواضح.
وأنبه هنا أن خلل الغير لا يصوغ خللي، وأن اختيار غيرك طريق الغواية والإثم لا يصوغ لك العدوان والظلم، فالأمر محاسبة للنفس لا مغالبة للغير وتحقيق لمثل ما حققوا، فالعاقل من يصون نفسه عن موطن الشبهة فضلا عن موطن الحرام والظلم بغض النظر عما يكون عليه الآخرون، فكلنا سوف يأتي مولاه فردا، ويُسأل عما قدمت يداه، ونسأل الله العافية ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم


Haberleri Paylaşarak Bilgiyi Anında Arkadaşlarınıza Ulaştırabilirsiniz.