مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية

التوبة

05-03-2013 15:26


بسم الله الرحمن الرحيم
التوبة في اللغة هي الرجوع والإنابة، أو هي الرجوع عما سلف، وأما في الاصطلاح: فهي الرجوع عن الذنب لكونه ذنباً والإقلاع عن مثله في المستقبل، أو هي الندم على ما مضى منه مما يعد قبيحاً أو تقصيراً مع العزم على عدم العودة إلى مثله أبداً، وقال البعض هي ترك المعاصي في الحال، والعزم على تركها في الاستقبال، وتدارك ما سبق من تقصير.
والذي أراه أن التوبة إنما هي الرجوع عن المعصية الى الطاعة وعما يرى عدم لباقته منه في جنب الله عز وجل ولم يكن معصية.
وبالتالي فإن التوبة تختلف باختلاف حال التائب، فالعامة إنما تتوب من معصية الله عز وجل بمخالفة أمره ونهيه، بينما الخاصة من أهل الفضل وفي مقدمتهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وفي مقدمتهم خاتمهم صلى الله عليه وسلم، ومن تبعهم من العلماء والمصلحين والصالحين، فإنهم يروا أن عليهم التوبة والاستغفار دائماً وباستمرار ليقينهم أنهم مهما عملوا ومهما أطاعوا وعبدوا مخلصين لله سبحانه وتعالى فإنه لا بد يلزمهم المزيد، وأنه قد يقربهم بعض الفتور أو الانشغال بأمر من أمور الدنيا، ولذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " والله إني لاستغفر الله وأتوب اليه في اليوم أكثر من سبعين مرة " أخرجه البخاري وأخرج مسلم " يا أيها الناس توبوا الى الله فإني أتوب في اليوم اليه مائة مرة "
ولا شك أن توبة رسول الله عليه السلام ليست من ذنوب يقترفها صلى الله عليه وسلم بمعنى تجاوز أوامر الله ونواهيه سبحانه وتعالى، فهو صلى الله عليه وسلم وكذا الأنبياء معصومون من الذنوب والمعاصي كبائرها وصغائرها لا سيما بعد البعثة، لذلك قال العلماء في بيان معنى هذه الأحاديث التي تتحدث عن توبته صلى الله عليه وسلم، أنها توبة من فترانه عن الذكر الذي شأنه أن يداوم عليه، فإذا فتر عنه لأمر عُدَّ ذلك مستوجياًللتوبة فيتوب منه ويستغفر منه، وقيل مما يعتري القلب من حديث النفس والهم به كما جاء عن سيدنا يوسف عليه السلام بقوله عز وجل:(وَلَقَدْهَمَّتْ بِهِ وَهَمَ ّبِهَالَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ) وقيل أن توبته صلى الله عليه وسلم واستغفاره انما هو من اشتغاله بالمباحات من أكل وشرب ونوم أو إنما هو استغفار وتوبة ليكون لنا قدوة ومعلماً فيستغفر عليه السلام ويتوب ليتربى أصحابه ومن بعدهم فيصير ديدنهم بالاقتداء به صلى الله عليه وسلم بالمبادرة بالرجوع الى الله سبحانه وتعالى لحاجتهم إلى ذلك.
وبهذا فإنه يمكننا القول أن التوبة مطلوبة من الناس بل من الإنس والجان جميعاً، فهي من الكافر بالدخول بالإسلام وإعلان شهادة التوحيد بأن الله سبحانه واحد لا معبود سواه ولا إله غيره، والاعتراف برسالة سيدنا محمد وأنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فهذه توبة الكافر وتحتاج الى الإقلاع عن كل ما يخل بهذا المقصد وفعل كل ما ينسجم معه من إطاعة الأوامر واجتناب النواهي، وتوبة المسلم العاصي تكون بالندم على ما مضى من ذنب أو ذنوب وما لا ينبغي فعله، فلا معنى لتوبة من ذنب مع الاعتزاز به، فمن يفاخر أو يتباها ويتحدث عن تصرفاته المخلة لا يمكن أن يعد من التائبين حتى ولو ترك ممارسة هذه التصرفات، فلا تسقط عنه الا ان يشعر بالخجل منها ويتعجب من نفسه كيف أقدم عليها، فالندم هو أول شرائط التوبة بل أركانها ثم يلزمه بعد ذلك العزم على عدم العودة الى الذنب والإقلاع عنه، إذ معنى التوبة كما بينت هو الأوبة والرجوع والإنابة وهي الرجوع عن الذنب وهجره له، ولا أقل من العزم على ذلك والتصميم على الابتعاد عن الذنب ولابد من الإشارة هنا إلى أن عدم العودة أبداً الى الفعل ليس شرطاً لصحة التوبة، وانما يكفي لتحقق التوبة من هذا الجانب، العزم الصادق والأكيد على عدم العودة الى الذنب فإذا فعل ذلك بأن عزم صادقاً مستحضراً قلبه وعقله على عدم العودة الى الذنب صار بذلك مستوفياً لشرط الترك الذي لا تتحقق التوبة إلا به فإذا ضعف أو غفل فعاد الى الذنب ثانية لزمه العودة الى العزم على الترك مع الندم الشديد على العودة الى فعل الذنب، وبذلك يكون تائباً من جديد فالله سبحانه يقول: (إِنَّاللَّهَيُحِبُّالتَّوَّابِينَ ) ولم يقل التائبين في الآية دليل على تكرر التوبة وذلك حتى ولو من نفس الذنب، فباب التوبة لا يغلق بالرجوع الى الذنب بعد التوبة منه ما دام في كل مرة يعزم حقيقةً على عدم العودة، وإنما تكون العودة غفلة أو ضعفاً فمن يخشى أن لا تقبل توبته هو الذي يعترف بالذنب ليتوب منه فهو يقدم عليها ولا يرى بإقدامه عليها بأس بدعوى أنه بعد فعلها سيتوب منها، إذ هذا مفتقر للعزم على عدم العودة إليه.
وإذا كانت المعصية التي يتوب العبد منها تضمنت فوات واجب لزم التائب قضاء ما فاته من الواجبات كمن أضاع فريضة من صلاة أو صيام أو صلة رحم أو زكاة، فإنه يلزمه تدارك ما كان ذلك ممكناً.
وإذا كانت المعصية متعلقة بحق من حقوق العباد فإن كان الحق مادياً كمالٍ أو متاعٍ أخذه منه على غير وجه حق، أو أمر له به كسب أضاعه له وجب عليه لتخفيف التوبة رد هذا الحق الى صاحبه كاملاً غير منقوص، والندم والعزم على الترك وفعل الخيرات لا يسقط حق صاحب الحق من البشر الا بإعادة الحق الى يده أو من يقوم مقامه كوارثه مباشرة أو بواسطة مادام ذلك ممكناً، فإن لم يكن ممكناً لعدم معرفة صاحب الحق المادي، وجب على التائب أن يخرج هذا الحق عن صاحبه اضطراراً الى أهل العوز والحاجة لقاعدة " الفقراء هم أصحاب المال الضائع الذي لا يعرف صاحبه " وأما إذا كانت المعصية بالعدوان على حق معنوي لبشر فلا بد أيضاً لتحقق التوبة من إعادة الحق الى أصحابه فإن كان العدوان بغيبة وجب نقضها عند من تمت لديهم فيتكلم عن فضل من اغتابه لمن اغتابه لهم وينقض ما صدر منه عندهم ويبين خلل قوله ولو كان صحيحاً وكذا في النميمة والبهتان..، وفي كل ذلك لا يلزمه النقض أمام صاحب الحق نفسه لا سيما إذا لم يكن الأمر بلغه فإن كان بلغه لزمه إصلاح الأمر وجبر الخلل وتطييب نفسه.. لأن التوبة عندئذ تحتاج إلى عفو المظلوم والمعتدى عليه وليس بين العبد وربه، والا فكيف يعد هذا الشخص تائباً وتواباً، وهو يريد أن يحافظ على انتقاص حق غيره في نفسه أو ماله، ولا يرد الحق الى نصابه، فشرط تحقق التوبة رفع الانتقاص عمن تم انتقاصه، فإن اقتضى ذلك الاعلان وجب وإن تحقق دون إعلان أجزأ وإن اقتضى ذلك علمه، والاعتراف بين يديه واجب وان تحقق ببيان للغير أو بأي تصرف أجزأ، إنما المهم هو رفع الانتقاص في النفس أو المال في الماديات أو المعنويات.
وكما أشرنا أيضاً فإن التوبة من العلماء والخواص من الصالحين تكون من الفتور أو من صغائر الأمور التي يعدون وقوعها منهم في جنب الله أمراً عظيماً يستدعي المعاجلة بالتوبة والإنابة الى الله سبحانه وتعالى، ولربما كان يستعظم الخواص وقوعه منهم لا يلتفت إليه العامة ولا يعدون أنفسهم متجاوزون لفعله " فحسنات الأبرار سيئات المقربين " أما أن يخاطب العلماء والخاصة العامة بالشدة ويحملوهم على العزائم فإذا تعلق الأمر بأفعالهم وذويهم حملوا أنفسهم على الرخاء والرخص، فهذا نقص في الصلاح، واستعمال للعلم في غير موقعه وهو في حد ذاته يحتاج إلى توبة وإنابة إلى سبحانه وتعالى.
كيف تتوب:
1- إياك ثم إياك أخي الكريم أن يسول لك الشيطان أنك غارق في المعاصي ولا جدوى من أعمالك الصالحة، وأن معاصيك قد استهلكت حسناتك ،فهذه قاعدة تبدو روحية وما هي إلا شيطانية فأن السيئات لا تذهب الحسنات وإنما الحسنات هي التي تذهب السيئات، فبادر أخي دوماً إلى الإكثار من الطاعة كلما شعرت بإنجازك إلى المعصية، فبادر إلى عمل الصالح فإنه يمحوها ويشغل وقتك بالخير عن السيئة، فحافظ على الصلاة في وقتها فإن الصلاة والاستمرار عليها يغير يأس لا بد أنه سيثمر في يوم من الأيام تجاوز المعاصي وتخفيفها، قال تعالى: " وَأَقِمِالصَّلاةَإِنَّالصَّلاةَتَنْهَىعَنِالْفَحْشَاءِوَالْمُنْكَرِ " ثم أكثر من ذكر الله تعالى، قال تعالى: " وَلَذِكْرُاللَّهِأَكْبَرُ " ثم أكثر من الدعاء والضراعة الى الله سبحانه وتعالى أن يهديك سواء السبيل وأن لا يكلك لنفسك فإن من وكل إلى نفسه ضل وتاه، ومن تعهده الله وقاه، قال تعالى: " وَإِذَاسَأَلَكَعِبَادِيعَنِّيفَإِنِّيقَرِيبٌأُجِيبُدَعْوَةَالدَّاعِإِذَادَعَانِفَلْيَسْتَجِيبُواْلِيوَلْيُؤْمِنُواْبِيلَعَلَّهُمْيَرْشُدُونَ "
2- إياك وتفسير الشيطان لشرط الإقلاع عن المعصية والعزم على عدم العودة كشرط للتوبة، إذ يفسرها للعصاة بأن المراد هو قطع المعصية مرة واحدة، وأنك إن عاودت المعصية بعد التوبة فإنه لا توبة لك لعدم الإقلاع، والحق أن هذا تفسير شيطاني لتيأس الناس من التوبة، وإلا فإن ع من معاودة المجرد العزم الصادق على الإقلاع عند قرار التوبة كاف لتحقيق هذا الشرط، وإن ضعف الإنسان مرة أخرى أمام نفس الذنب والمعصية غير مانع من معاودة التوبة، بمعاودة العزم الصادق والأكيد على الإقلاع عن الذنب ولو حصل ذلك في اليوم مراراً، حتى تتمرس النفس على الانسجام مع الطاعات والخيرات والبعد عن المعاصي والذنوب ولن تنقطع منا الذنوب فينبغي ن لا تنقطع التوبة، فالله سبحانه لم يصف المسلم بأنه لا يعصي الله سبحانه وإنما وصفه بأنه سريع التذكر والعودة، فقال سبحانه: " إِنَّالَّذِينَاتَّقَواْإِذَامَسَّهُمْطَائِفٌمِّنَالشَّيْطَانِتَذَكَّرُواْفَإِذَاهُممُّبْصِرُونَ " وقال سبحانه: " وَالَّذِينَإِذَافَعَلُوافَاحِشَةًأَوْظَلَمُواأَنْفُسَهُمْذَكَرُوااللَّهَفَاسْتَغْفَرُوالِذُنُوبِهِمْوَمَنْيَغْفِرُالذُّنُوبَإِلَّااللَّهُ ".
3- استعن بغيرك دون أن تفضح نفسك، فالمسلم قوي بإخوانه ضعيف عند انفراده فإذا شعرت بضعفك لحظة فلا تنفرد وكن مع غيرك من الخيرين والناصحين والصالحين من أصدقائك وإخوانك واجعل ساعة خلوتك هي ساعة شفافيتك وروحانيتك وساعة شعورك بالقوة عند الطاعة، وبالمقابل ابتعد عن العصاة والمروجين للمعاصي فإنك بحاجة إلى من يحملك إلى الخير.
4- بادر دائماً وحضر أفكار طيبة تشغل نفسك بها، من هموم المسلمين، وكيف تدعو إلى الله سبحانه وتعالى، وكيف تخرج العصاة من معاصيهم، فإذا فعلت ذلك فإنك ستنجح في التوبة لنفسك بإذن الله تعالى لانشغال وقتك أكثره في الخير، ووقتك لا يتسع للخير والشر في آن واحد، فبقدر ما تشغل نفسك بالخير بقدر ما تقلل من والوقوع في الشر والمعصية.
5- احرص على تمتين الثقة بالله تعالى وبمعيته وأنه سبحانه غفار الذنوب وأنه أرحم بك من نفسك فإن ذلك يساعدك على المعاجلة إلى التوبة والبحث عن سبلها، واعلم أن الله أفرح بتوبتك منك وهو جل شأنه أرحم بنا من آبائنا وأمهاتنا.
6- استحضر دائماً أن أعمالك مسجلة عند الله تعالى بكاملها، قال سبحانه: " لَايَعْزُبُعَنْهُمِثْقَالُذَرَّةٍفِيالسَّمَاوَاتِوَلَافِيالْأَرْضِوَلَاأَصْغَرُمِنذَلِكَ " وإنه يعلم السر وأخفى وهو سبحانه واسع المغفرة، فإذا علم منا توجهاً إليه وحرصاً على عمل ما يرضيه جل شأنه لا يغفر لنا ذنوبنا ويمحو عنا إساءاتنا وحسب، وإنما يبدل سيئاتنا حسنات، فقال جل شأنه: " إِلَّامَنْتَابَوَآمَنَوَعَمِلَعَمَلًاصَالِحًافَأُوْلَئِكَيُبَدِّلُاللَّهُسَيِّئَاتِهِمْحَسَنَاتٍوَكَانَاللَّهُغَفُورًارَحِيمًا ".
7- اعلم أن من تراهم من الصالحين والعلماء والمصلحين وكل من يشهد لهم بالخير إنما ينالون ذلك ليس بعدم الوقوع في المعاصي مطلقاً وإنما بالمعاجلة إلى الله سبحانه وتعالى بالتوبة والإقرار بالتقصير والبكاء بين يديه سبحانه إنه سميع عليم.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


Haberleri Paylaşarak Bilgiyi Anında Arkadaşlarınıza Ulaştırabilirsiniz.