مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية

العلماء ورثة الأنبياء

01-06-2013 09:38

 

بسم الله الرحمن الرحيم
عنوان موضوعنا اليوم جزء من حديث حسن رواه الترمذي وأبو داوود وغيرهما، فعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، حَتَّى الْحِيتَانِ فِي الْمَاءِ ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ، كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وإِنَّ الْعُلَمَاءَ هُمْ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ، إِنَّ الأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلاَ دِرْهَمًا، إِنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ " – أخرجه مسلم والترمذي وأبي داوود وابن ماجة.
الحديث له مدلولات كثيرة ومعاني واسعة، ولا شك أن ما يؤخذ من هذا الحديث يضيق به المقام في هذه الكلمة ولكن أود في هذه العاجلة أن اشير إلى بعض المعاني المستفادة من هذا النص.
فهو من جانب يشير إلى مكانة العلماء وطلبة العلم وقدرهم عند الله سبحانه وتعالى ورضاه جل شأنه عن سبيلهم وطريقهم وتأييده لهم فطلب العلم هو أرضى السبل لله سبحانه وتعالى وهو من أوسع الطرق إلى مرضاته وجنانه وكما قيل فإن " مداد العلماء كدماء الشهداء "، وذلك أن مداد العلماء مردوده في الأمة مكانة وعزة وتمكيناً وسيادة لا يقل عن دماء الشهداء الذين يرسمون بتضحياتهم وجهادهم ودمائهم كرامة الأمة ويشيدون حضارتها وتقدمها بما يذودون عن حياضها ويعلون رايتها ويدفعون عن بيضتها.
ولا شك أن دماء الشهداء ومسيرة الجهاد دون أن تضبط بتوجيه العلماء وتربيتهم، ربما تقود الأمة إلى الخروج عن الجادة وتقود الى نقيض مقصدها من إحقاق الحق وإبطال الباطل ...
ومن هنا فإن من يستقرئ التاريخ يلمس بوضوح أن قتال الأعداء لا يكون جهاداً إلا أن يكون العلماء هم من يوجهون مسيرته ويضبطون تحركاته وتصرفات حملة لوائه بل أفضل ساحات الجهاد ما قادها العلماء وتقدموا صفوفها وكذا في كل شأن من شؤون حياة الأمة فإنه لا غنى بالأمة عن علمائها في أبواب العبادات ولا المعاملات أو العلاقات في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع، وكل شأن من شؤون الأمة لا يسدد العلماء مسيرته ينحرف عن الجادة ومن هنا كان شأن العلماء عظيماً وقدرهم في الأمة متقدماً.
فالعلماء هم الأعرف بالله تعالى حيث قال سبحانه وتعالى " شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " آل عمران:18
والعلماء هم الأخشى لله بل هم من يحملون الناس على خشية الله عز وجل، قال تعالى " إنما يخشى الله من عباده العلماء " وكذلك العلماء هم الأكثر قبولاً عند الخلق وهم الأقدر على قيادة الناس حيث شاءوا فإنه إذا كان الحكام يسيرون الناس بسلطانهم وسطوتهم وما بأيديهم من السلطة والقوة، فإن العلماء يملكون قلوب الناس ويسيرونهم بما لهم من التأثير عليهم وبما يملكون من حجة وبراهين وبما يحملون من توجيه الناس نحو نجاتهم، الأمر الذي يجعل الناس تبعاً لعلمائهم أكثر من كونهم تبعاً لحكامهم، فإن قيل الناس على دين ملوكهم، فالناس أيضاً على دين علمائهم بل وبشكل أوضح.
ومن جهة أخرى فإن الحديث كما ينزل العلماء منزلة عظيمة ويجعل لهم مكانة مرموقة فإنه في الوقت نفسه يضع على عاتق العلماء أمانة كبيرة، فهم حملة أمانة الأنبياء في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى واخراج الناس من ويلات العذاب يوم القيامة إلى سعة رحمة الله ورضوانه وجناته، وهم حملة لواء الحق والصدح به في مواجهة الباطل أياً كان رافع لواءه فلا يجوز للعلماء أن يخافوا في الله لومة لائم، ولئن صح من العامة أو الخاصة أن تضعف أمام الضغوط والإكراه فإنه يبقى على العلماء أن ينسوا ذواتهم ويتجاوزوا حظ أنفسهم من أجل حفظ راية الحق خفاقة أو من أجل إعادتها إلى مكانتها حيث تنحرف مسيرة الحكام وتتيه بالأمة نحو التبيعة والانحلال، فالعلماء يجب أن يبقوا حصن الأمة من الانحراف وحملة لواء الحق في أوقات الشدة والخوف، ولذلك جاء في الأثر:" صِنْفَانِ مِنَ النَّاسِ إِذَا صَلُحَا صَلَحَ النَّاسُ: العلماء والحكام " المحدث: الألباني
وإننا نستطيع أن نقيم الأمة بعلمائها ربما أكثر مما نقيمها بحكامها لذلك كان لزوماً على حملة ميراث الأنبياء أن يكونوا على قدر رسالة الأنبياء وأمانتهم فبهذا تحفظ الأمة وتصان عقيدتها وشريعتها من التبديل والتغيير، وذلك يحتاج إلى مواقف جريئة وصادقة من العلماء كلما رأوا مسيرة الأمة تنحرف عن الجادة، فقد حفظ الله عقيدة الأمة ودينها بالإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، ولكن ذلك كان على حساب ذاته وجسده فقد صبر على نيل الظالمين من جسده ليحول بذلك دون نيلهم من عقيدة الأمة ودينها، وبهذا يمكن أن يسمى أحمد بن حنبل من ورثة الأنبياء، فليس ورثة الأنبياء هم من حفظوا النصوص وحسب دون أن يثبتوا معانيها ومقاصدها في مسيرة الأمة، وذلك أن الأنبياء عليهم السلام جاءوا بالنص وعملوا على تحويله إلى منهج حياة في أممهم فمنهم من استجيب له ومنهم من لم يُستَجَب له ولكن العمل على تحويل الشريعة إلى منهج حياة ديدنهم جميعاً ولا يكون أحد وارثاً لهم بالمعنى الحقيقي لمهمتهم الا أن يجمع الى المعرفة بالمنهج الذي جاؤوا به والعمل على الحفاظ عليه أو إعادته منهجاً في الجيل الذي يعيش فيه، لذلك كان لزاماً على العلماء حتى يكونوا ورثةً حقيقيين للأنبياء أن ينبروا لمهمتهم وأن يحملوا الدعوة التي حمل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأن يؤرقهم الهم الذي أرق الأنبياء، حتى خاطب الحق سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله :" فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا " فورثة الأنبياء يجب أن يؤرقهم حال الأمة وابتعادها عن منهج الله الذي ارتضى لعباده وأن يحولوا الهم الذي يحملون الى منهج عمل يخرج بالأمة من الانحراف إلى الالتزام.


وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


Haberleri Paylaşarak Bilgiyi Anında Arkadaşlarınıza Ulaştırabilirsiniz.