مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية

درس من جواتيمالا

07-09-2015 11:12


فى الظروف العادية حين ينتخب رئيس جديد لجواتيمالا اليوم فإن ذلك خبر لا يثير أى اهتمام من جانب القارئ العربى. لكن الأمر يصبح باعثا على الدهشة حين يتم ذلك بعد استقالة الرئيس «الشرعى» قبل نحو خمسة أشهر من انتهاء ولايته (فى منتصف يناير ٢٠١٦). ولأن ذلك أمر غير مألوف فى دول العالم الثالث الذى تنتسب إليه جواتيمالا، فإن المرء إذا دفعه الفضول إلى محاولة تحرى ما جرى فإنه سوف يفاجأ بأن وراء الاستقالة المبكرة قصة طويلة غاية فى الإثارة جديرة بأن نقرأها.

اعترف بأننى أحد الذين لم يتوقفوا يوما ما أمام خبر انتخاب أى رئيس لجواتيمالا. فسجل هذا البلد الذى لا يزيد عدد سكانه على سكان القاهرة الكبرى (١٦ مليونا) لا يشجع مثلى على متابعة انتخاباته، إذ إنه يرتبط فى أذهاننا بمؤامرات المخابرات الأمريكية وبالعواصف السياسية والطبيعية، وبالحرب الأهلية التى استمرت ٣٦ عاما (من ١٩٦٠ إلى ١٩٩٦)، ثم أن سجله ملىء بالصراعات بين شبكات المصالح وعصابات تهريب المخدرات التى يسقط بسببها ستة آلاف قتيل سنويا، صحيح أننى توقفت ذات مرة أمام دعوة رئيس الجمهورية المستقيل إلى تقنين بيع المخدرات وإنتاجها لكننى اعتبرت ذلك من قبيل التشوهات الحاصلة فى محيط الطبقة السياسية فى بعض دول أمريكا اللاتينية، التى تأتى أحيانا بأناس غريبى الأطوار، ولذلك لم أهتم بالقصة.

الرئيس المستقيل أوتو بيريز (٦٤ عاما) جنرال متقاعد دخل عالم السياسة بعد انتمائه إلى «الحزب الوطنى» فى بلاده. وكان أول عسكرى فاز فى انتخابات نزيهة فى ظل الحكم الديمقراطى الذى بدأ عام ١٩٨٥. لم يكن الرجل مستبدا لكنه أصبح جزءا من شبكة الفساد فى البلد. ورغم ان الشائعات ظلت تلاحقه طول الوقت إلا أن أمره انفضح فى شهر أبريل من العام الحالى. إذ أثبتت النيابة العامة كما أكدت إحدى اللجان التابعة للأمم المتحدة تورطه هو ونائبته روكسانا بالدينى فى قضية فساد كبرى داخل جهاز الجمارك. إذ كان يسمح للموظفين بإعفاء بعض الواردات من الرسوم مقابل رشى كان له نصيب منها. واستطاع المتخصصون أن يثبوا أن نصيبه من الرشى وصل إلى ثلاثة ملايين و٧٠٠ ألف دولار. أما نائبته فقد حصلت على ثلاثة ملايين و٨٠٠ ألف دولار. وبسبب ذلك أمرت النيابة بتوقيفها ولاتزال فى انتظار المحاكمة.

حين انفضح الأمر فإن منظمات المجتمع المدنى والأحزاب المعارضة تحركت بسرعة، ونظمت مظاهرات سلمية فى مختلف أنحاء البلاد طالبت بمحاكمة الرئيس. ومنذ شهر مايو الماضى، عقب إعلان الفضيحة، وإلى ما قبل الأسبوعين الماضيين لم تتوقف المظاهرات السلمية التى كانت تخرج مرة كل أسبوع، وإذ استمرت تلك المظاهرات أكثر من أربعة أشهر فإن ذلك شكل ضغظا شعبيا على البرلمان الذى طرح عليه مشروع قرار برفع الحصانة القضائية عن الرئيس تمهيدا للتحقيق معه فيما نسب إليه. وهو القرار الذى تمت الموافقة عليه بإجماع ١٣٢ نائبا حضروا الجلسة التاريخية، من أصل ١٥٨ نائبا هم جملة أعضاء البرلمان، وكان قرار مماثل قد عرض على البرلمان فى وقت سابق من شهر أغسطس الماضى إلا أنه لم يحظ بالأغلبية اللازمة. إلا أن الضغوط الشعبية القوية غيرت الموازين حين أعيد تقديم الاقتراح فى الأسبوع الأخير من الشهر ذاته.

كانت تلك أول مرة فى تاريخ البلاد يصدر فيها البرلمان مثل ذلك القرار عقب سلسلة من المظاهرات الشعبية السلمية. ولذلك فإن صدى القرار فى الشارع كان بالغا، حيث أدركت الجماهير أنها هى التى أسقطت الرئيس من خلال البرلمان الذى أثبت أنه يمثل الإرادة الشعبية الحقيقية، وقد سجلت الصورة التى تناقلتها وكالات الأنباء فرحة الجماهير التى خرجت حاملة الأعلام وملوحة بشارة النصر، ومرددة الهتافات والأهازيج التى عبرت عن الفرحة العارمة.

أثناء مناقشة الموضوع فى البرلمان حاول الرئيس أوتو بيريز أن يبدو متماسكا، فأعلن أنه سيدافع عن نفسه ويثبت براءته أمام القضاء، وإن البرلمان إذا رفع الحصانة عنه فإنه لن يستقيل وسيظل فى منصبه لكى يبرئ ساحته. إلا أن الأمر اختلف بعدما أصدر البرلمان قراره، وقرر القضاء منعه من مغادرة البلاد. إذ ارتفعت أصوات الجماهير المنتشية مطالبة باستقالته ومحاكمته. وفى الوقت ذاته أوصى مكتب المدعى العام (يسمونه مدعى الأمة) الذى يعد الممثل القانونى للدولة فى المسائل القانونية بأن يقدم الرئيس استقالته «كى لا يجد نفسه فى وضع يستحيل عليه ممارسة مسئوليات الحكم، فضلا عن أن من شأن ذلك أن يؤدى إلى زعزعة الاستقرار وإشاعة الفوضى فى البلاد».

أمام ضغط الجماهير وقرار البرلمان تجريده من منصبه والبيان القوى الذى أصدره النائب العام الذى دعاه إلى الاستقالة، بل ووجه إليه اتهاما صريحا بالضلوع فى جرائم الفساد، لم يجد الرئيس أوتوبيريز مفرا من تقديم استقالته يوم الخميس الماضى ٣ سبتمبر، وبعد أن فعلها فإنه نقل إلى مكان خاص لمنعه من الهرب خارج البلاد، وتمهيدا لمحاكمته فيما نسب إليه.

أعترف بأن الصورة التى فى ذهنى عن جواتيمالا كانت على النقيض مما حدث، حتى أزعم أن كل ما جرى كان مفاجئا لى تماما. ابتداء من قوة المجتمع ومناخ الحرية الذى سمح للمظاهرات السلمية ان تتواصل طوال أربعة أشهر، ومرورا بفاعلية البرلمان المنتخب الذى نزع الحصانة عن الرجل، وانتهاء باستقلال النيابة العامة التى أجرت تحقيقها فى قضية فساد الرئيس وجرأة المدعى العام الذى طالب الرئيس بالاستقالة من منصبه.

بالديمقراطية جاء الرجل وبالديمقراطية والحرية أقصى عن منصبه. وقدمت تلك الدولة الصغيرة نموذجا فى الأداء السياسى جديرا بالتقدير والاعجاب، وجديرا بالاحتذاء أيضا. وإذا كانت تهنئة الرئيس الجديد الذى يفترض أن ينتخب اليوم واجبة، إلا أن تهنئة الشعب على الانجاز الذى حققه والدرس الذى قدمه أوجب.

Haberleri Paylaşarak Bilgiyi Anında Arkadaşlarınıza Ulaştırabilirsiniz.