مرئياتمقتبساتالصحف التركيةالفكرالصحةالحوارأعلامناتركياالعالمالتربيةالصفحة الرئيسية

الحكيم والمغرور

25-01-2016 14:08


قصة قديمة بصياغة حديثة بقلم : مجدي مغيرة
قالوا : كان في الغابة أسدٌ مغرور لا يملأ عينَه أحدٌ ، ولا يوقر كبيرا أو يرحم صغيرا .
لسانه لا ينطق إلا بفحش الكلام ، وقد زاد من غروره خوفُ الحيوانات منه ، وعدم جرأة أحد على مواجهته ، ولم يزده صمتُ الحيوانات في حضوره إلا استهزاءً بهم وسخرية منهم.
وكان في الغابة طائر حكيم يرقب الأسد ويتابع سلوكه وتصرفاته ، ويدرك غضب حيوانات الغابة كلها منه دون القدرة على مواجهته خوفا من بطشه وظلمه .
وبينما كان الطائر الحكيم يتحدث يوما مع بعض الحيوانات إذ مرَّ عليهم الأسد ، ونظر إلى الطائر وأخذ يضحك من صغر حجمه وضآلة جسمه ، وأن إشارة من أحد مخالبه كفيلة بنقل الطائر من عالم الدنيا إلى عالم الآخرة في أقل من دقيقة.
نظر الطائر الحكيم إلى الأسد بهدوء وثبات ، ورد عليه بصوت واثق : أنا أقتلك بعد شهر من الآن !!!!!
نظر الأسد إلى الطائر نظرة طويلة ، وقد عقدت الدهشة لسانه ، ثم ما لبث أن انطلق في نوبة هستيرية من الضحك المتواصل حتى وقع على الأرض ، ثم أخيرا قال للطائر : موعدي معك بعد شهر من الآن .
عاد الأسد إلى عرينه ومازال الضحك مسيطرا عليه ، ووعيد الطائر مسيطرٌ على عقله ، ولا يفارق ذاكرته ، ويتعجب كيف لطائر مثله أن يتجرأ على تهديده فضلا عن الشروع في قتله ؟؟؟!!! .
لكنْ ما لبثت الشكوك والهواجس تغزو عقل الأسد ، وأخذت احتمالات تآمر الطائر مع باقي الحيوانات على قتله تتوالى.
ماذا لو أعد الطائر كتيبة انتحارية من الطيور تهاجم الأسد دون مبالاة بمن سيموت منهم ، فيهاجمون عينه ليفقئوها ، ولا يتركونه إلا مثخنا بجراحه التي ستؤدي به - ولاشك – إلى الوفاة ؟؟؟!!!
ماذا لو تآمر الطائر مع الفيل ؟
إنَّ غضب الفيل لا يُحتمل ، ويستطيع أن يلف خرطومه حول جسد الأسد ، ثم يطرحه أرضا دون أن يستطيع الأسد القيام على أقدامه مرة أخرى؟؟؟!!!
ولو كان الجاموس الوحشي هو من تآمر مع الطائر فستكون مصيبة ، فهذا الحيوان الضخم جبان ، لكنه حينما ينسى خوفه يندفع دون مبالاة بالعواقب ..... ويكفيه إدخال قرنه في بطني لتكون نهايتي المحتومة .
أما الثعلب صديقي الحميم ، فهو خبيث الطبع ، ويمكنه أن يبيعني لعدوي بثمن بخس ، وللأسف فهذا الثعلب الخبيث يعرف عني الكثير ولا يكاد يخفى عليه سر من أسراري ، ويمكنه نقل أخبار تحركاتي إلى ذاك الطائر اللعين ليستغلها ضدي .
وأخذ الأسد يقدر كافة الاحتمالات .... وكيف يواجه كل احتمال بالأسلوب المناسب ..... وفكر في اعتقال الحيوانات كلها للتحقيق معها علَّه يحصل منها أو من بعضها على خيوط المؤامرة .
ولكن كيف سيحبس كل الحيوانات ؟ لو فعل ذلك لثار الجميع ضده ، وانقلبت الأوضاع إلى غير ما يشتهي ، فضلا عن تعطل سير الحياة في الغابة .
ثم اهتدى إلى أن يقبض على زعماء الحيوانات لضمان سيطرته عليهم داخل المعتقل ، وليكونوا عبرة لغيرهم ؛ فلا يجرؤ أحد على مواجهته خوفا من السجن والحبس والقيد ، لكنه تذكر أن لهم أتباعا ومؤيدين يمكنهم نشر الفوضى في الغابة أو الهجوم على السجن وإخراجهم عنوة مما يسقط هيبة الأسد في عيون باقي الحيوانات.
أو الحل الأفضل هو القبض على الطائر نفسه ووضعه في السجن حتى يموت ، لكن هذا سوف يثير سخرية حيوانات الغابة ، إذ سيقولون أن الأسد حبس الطائر الصغير خوفا منه .
وهكذا كلما اهتدى الأسد إلى فكرة تراءى بين عينيه الأخطار المترتبة على تنفيذها ،تلك الأخطار التي قد تودي بحياته وحياة أتباعه ، وأخذ الشعور بالعجز يسيطر على عقله ، واليأس والإحباط يسيطر على نفسه.
توالت الأيام وعقل الأسد مشغول بوعيد الطائر ، وفقد شهيته للطعام والشراب حتى هزل جسده وتراخى جلده ، وتباطأ مشيه ، وضعف زئيره حتى أصبح لا يخيف نملة .
وتحول الأسد من ملك هادئ الأعصاب ، ثابت القلب إلى ملك فقد أعصابه وامتلأ قلبه خوفا ورعبا ، وكلما مر يوم واقترب موعده مع الطائر ، كلما ثارت أعصابه أكثر وأكثر حتى تجنبته أنثاه لعجزها عن تهدئته أو التفاهم معه.
ويقترب الموعد والأسد عاجز تماما عن توقع الأحداث وكيف يواجهها ، ولا يستطيع أن يتخيل كيف لمثل هذا الطائر أن يتغلب عليه.
اقتربت نهاية الشهر الذي مرَّ بطيئا على الأسد ، ثم أتى اليوم الأخير للموعد ، وزادت ضربات قلب الأسد وتوالت أنفاسه حتى كادت تنقطع من سرعتها ، ثم هدأت نفسه ،وبعد قليل دخلت عليه أنثاه فوجدته ..........قد مات . 

Haberleri Paylaşarak Bilgiyi Anında Arkadaşlarınıza Ulaştırabilirsiniz.